كشفت نتائج اجتماع البنك المركزي الأوروبي لشهري فبراير ومارس 2026 عن صورة معقدة للمشهد الاقتصادي في منطقة اليورو، حيث تتقاطع صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط مع ضغوط تضخمية متصاعدة وتباطؤ محتمل في النمو. ويعرض المحضر تفاصيل دقيقة حول كيفية تقييم البنك المركزي الأوروبي لهذه التطورات، وكيفية تأثيرها على قرارات السياسة النقدية المقبلة.
قبل وبعد اندلاع الحرب
بدأت إيزابيل شنابل عرضها بالإشارة إلى أن الفترة التي تلت اجتماع 4–5 فبراير يمكن تقسيمها إلى مرحلتين واضحتين. في المرحلة الأولى، وحتى اندلاع الحرب، سادت الأسواق حالة من الهدوء وانخفاض التقلبات مع شهية قوية للمخاطرة. أما المرحلة الثانية، فقد شهدت ارتفاعًا حادًا في أسعار الطاقة، ما أدى إلى زيادة التقلبات في أسواق الأسهم والسندات، وحدوث عمليات بيع واسعة في الأصول الخطرة.
قفز سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم يُسجل منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل كبير، وإن بقيت دون مستويات 2022. ورغم أن منحنى العقود الآجلة للنفط أظهر في البداية توقعات بانخفاض سريع للأسعار، فإن الأسواق بدأت تدريجيًا في تسعير صدمة طاقة أطول أمدًا.
تضخم أعلى وتوقعات بتشديد كمي
أظهرت المقارنات التاريخية أن رد فعل الأسواق الأوروبية كان في الحد الأعلى من نطاق الصدمات السابقة. فقد ارتفعت توقعات التضخم قصيرة الأجل بقوة، وارتفعت معدلات المقايضة المرتبطة بالتضخم فوق 2% عبر مختلف الآفاق الزمنية.
لكن اللافت أن الأسواق هذه المرة لم تتوقع خفضًا للفائدة كما حدث في صدمات الطاقة السابقة، بل على العكس، بدأت في تسعير رفع للفائدة، معتبرة أن تأثير الحرب على التضخم يفوق تأثيرها السلبي على النمو.
وتشير البيانات إلى أن المستثمرين باتوا يتوقعون رفعًا بمقدار 40 نقطة أساس بحلول نهاية 2026، بعد أن كانوا يتوقعون خفضًا محتملًا قبل الحرب. وفي المقابل، أظهرت استطلاعات المحللين أن أغلب الخبراء يتوقعون ثبات الفائدة حتى 2027.
تدهور اليورو
تدهور اليورو بشكل ملحوظ، كون منطقة اليورو مستوردًا صافيًا للطاقة. وقد انعكس ذلك على سعر صرف اليورو الذي انخفض أمام الدولار، متتبعًا تحركات أسعار الطاقة. ورغم هذا التراجع، يرى البنك أن اليورو كان من الممكن أن يهبط أكثر لولا بعض العوامل الداعمة.
وتبقى المخاطر قصيرة الأجل على اليورو تميل إلى الهبوط، بينما تبدو المخاطر المتوسطة الأجل متوازنة، ما يعكس اعتقاد الأسواق بأن صدمة الطاقة قد تكون مؤقتة.
تراجع شهية المخاطرة وضعف أسهم القطاع المالي
تراجعت شهية المخاطرة منذ اندلاع الحرب، وكان هذا التراجع أكثر وضوحًا في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة بسبب الاعتماد الأكبر على الطاقة المستوردة. ورغم ذلك، بقيت هذه التراجعات أقل حدة من تلك التي حدثت عقب غزو أوكرانيا أو صدمة الرسوم الجمركية في 2025.
وكانت أسهم القطاع المالي الأكثر تضررًا، بعد أن كانت من أفضل القطاعات أداءً في 2025. ويعود ذلك إلى تعرضها الكبير لأسواق الاستثمار الخاصة، التي تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع الفائدة وتراجع النمو، إضافة إلى مخاوف تتعلق بالشفافية وارتفاع طلبات السحب من الصناديق.
تأثير محدود على أسواق المال حتى الآن
رغم التقلبات، بقيت أسواق المال مستقرة نسبيًا، وظل الطلب على عمليات إعادة التمويل منخفضًا بفضل وفرة السيولة. لكن البنك لاحظ زيادة في عدد البنوك التي تستعد للاقتراض عند الحاجة، ما يعكس حذرًا متزايدًا.
التضخم: ارتفاع ملحوظ ومخاطر صعودية
ارتفع التضخم في فبراير إلى 1.9%، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة والخدمات. كما ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.4%. ورغم تباطؤ نمو الأجور، فإن البنك يحذر من أن صدمة الطاقة قد تؤدي إلى آثار غير مباشرة على الأسعار إذا استمرت لفترة طويلة.
وتشير توقعات البنك إلى أن التضخم سيبلغ 2.6% في 2026 قبل أن يتراجع إلى 2% في 2027، ثم يرتفع قليلًا في 2028 مع تطبيق نظام ETS2.
النمو: بداية قوية قبل الحرب… ثم تباطؤ متوقع
قبل الحرب، كان اقتصاد منطقة اليورو يظهر زخمًا إيجابيًا، مع نمو 0.2% في الربع الأخير من 2025، وارتفاع الاستهلاك والاستثمار، وانخفاض البطالة إلى 6.1%.
لكن الحرب أدت إلى صدمة سلبية في العرض، ما سيضغط على الدخل الحقيقي ويضعف الثقة، وبالتالي سيؤثر على الاستهلاك والاستثمار. ويتوقع البنك نموًا بنسبة 0.9% في 2026، بانخفاض 0.3 نقطة عن التوقعات السابقة.
خيارات السياسة النقدية: التريث مع الحفاظ على المرونة
لكن في السيناريو التشديدي، قد يبقى التضخم فوق الهدف حتى 2028 إذا لم يتم تشديد السياسة النقدية أكثر.
تكشف نتائج اجتماع البنك المركزي الأوروبي أنه يواجه واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا منذ سنوات، حيث تتداخل:
- صدمة طاقة غير مسبوقة
- مخاطر تضخمية قوية
- تباطؤ محتمل في النمو
- تقلبات مالية واسعة
- ضعف في اليورو
- ضبابية جيوسياسية عالية
وفي ظل هذه الظروف، يعتمد البنك نهجًا يقوم على اجتماع تلو الآخر، دون التزام مسبق بمسار محدد للفائدة، مع ترك جميع الخيارات مفتوحة.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات