نور تريندز / مستجدات أسواق / أسواق السلع Noor Trends / ستة عقود تنتهي بقرار واحد: الإمارات تنسحب من أوبك وتغير عالم النفط إلى الأبد
النفط يتجاوز 110 دولار وسط انحسار الآمال في تهدئة قريبة بالشرق الأوسط

ستة عقود تنتهي بقرار واحد: الإمارات تنسحب من أوبك وتغير عالم النفط إلى الأبد


لم يتوقع أحد ما حدث، على الأقل ليس بهذه الصورة. يوم الثلاثاء، وبينما كان مندوبو أوبك يستعدون للتجمع في فيينا لجولة جديدة من محادثات الإنتاج، فجرت الإمارات العربية المتحدة مفاجأة مدوية: قررت المغادرة. بعد ما يقرب من ستة عقود من العضوية في أقوى تكتل نفطي في العالم، أنهت أبوظبي هذا الفصل. يبدأ سريان الانسحاب في الأول من مايو، وقد بدأت أصداء القرار تنتشر بالفعل في كل قاعة تداول، وكل وزارة طاقة، وكل حكومة تعتمد على النفط في تشغيل اقتصادها.

اللغة الرسمية جاءت هادئة ودبلوماسية، تتحدث عن “المصالح الوطنية” و”رؤية استراتيجية طويلة الأمد”. لكن القصة الحقيقية وراء القرار بعيدة تماما عن الهدوء. إنها قصة حرب، وممرات ملاحية مغلقة، وطموحات مكبوتة، وتحالفات تتفكك، وإحباط تراكمي وجد لحظته أخيرا.

حرب أنهت الترتيبات القديمة

لفهم سبب خروج الإمارات، يجب البدء من مضيق هرمز. هذا الممر الضيق بين إيران وعمان يمثل شريان الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز يوميا. ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تحول هذا الممر إلى أداة ضغط، حيث استهدفت طهران السفن وقيدت تدفق صادرات النفط الخليجية بشكل كبير.

بالنسبة للإمارات، كانت النتائج قاسية. قبل الحرب، كانت تضخ نحو 3.4 مليون برميل يوميا، لكن بحلول مارس تراجع الرقم إلى ما يقارب النصف. أساس الاقتصاد بدأ يهتز، ومع ذلك ظلت الدولة ملتزمة باتفاقيات أوبك+ التي صيغت لعالم مختلف تماما. كانت أبوظبي تتكبد الخسائر، بينما لم يقدم التكتل أي مخرج عملي.


لكن الحرب لم تكن سوى عامل تسريع لتوتر متراكم منذ سنوات. الإمارات استثمرت بكثافة في توسيع قدراتها الإنتاجية، واضعة هدفا للوصول إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول 2027. لديها الإمكانيات والاستثمارات، لكن ما كان ينقصها داخل أوبك+ هو حرية القرار.


بموجب نظام الحصص، كانت ملزمة بالإنتاج بنحو 30% أقل من طاقتها الفعلية. كل شهر، كانت عوائد ضخمة تبقى غير مستغلة تحت الأرض، ليس بسبب ضعف الطلب، بل نتيجة الالتزام الجماعي. بالنسبة لدولة تسعى لتعظيم الاستفادة من مواردها قبل أن يعيد التحول العالمي في الطاقة تشكيل الطلب، أصبحت هذه القيود عبئا لا يمكن تحمله.

لم تكن الإمارات عضوا عاديا داخل أوبك، بل ثالث أكبر منتج، بحصة تقارب 12% من إجمالي إنتاج المجموعة قبل الحرب. خسارة لاعب بهذا الحجم تمثل ضربة قوية، خاصة في هذا التوقيت.

الحرب في إيران وجهت بالفعل ضربة قاسية لإنتاج المنظمة. ففي مارس وحده، تراجع الإنتاج بأكثر من الربع، في أكبر هبوط منذ عقود، متجاوزا حتى تأثيرات جائحة كوفيد. التكتل الذي كان يحرك الأسواق ببيان واحد، يجد نفسه الآن أمام أزمة إمدادات تاريخية، بينما يغادر أحد أبرز أعضائه. وقد تكون الخسارة في المصداقية أشد تأثيرا من فقدان الإنتاج نفسه.

واشنطن ترحب والرياض في لحظة صعبة

الأبعاد السياسية واضحة. الولايات المتحدة طالما انتقدت أوبك واعتبرتها تكتلا يتحكم في الأسعار، ومع الإدارة الحالية أصبح الربط مباشرا بين الدعم العسكري وتسعير النفط. خروج الإمارات دون تنسيق مسبق مع شركائها الخليجيين يحمل رسالة استراتيجية: أبوظبي تميل أكثر نحو واشنطن على حساب السعودية.

بالنسبة للرياض، يمثل ذلك لحظة صعبة. فقد قادت المملكة أوبك لعقود، ونجحت في إدارة توازنات معقدة داخلها. الانسحاب الإماراتي المفاجئ ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل مؤشر على عمق التباينات داخل المنطقة.

لماذا يجب على المتداولين الانتباه

بالنسبة لأسواق النفط، الحدث يتجاوز كونه خبرا عاديا. أحد أهم عناصر استقرار السوق كان قدرة أوبك على ضبط الإمدادات وتوفير قدر من التوقع. خروج الإمارات يضعف هذا الإطار.

الإمارات الآن تملك حرية الإنتاج. ومع اقتراب طاقتها من 5 ملايين برميل يوميا، وطموحها لضخ كميات كبيرة عند استقرار الملاحة في هرمز، فإن احتمال زيادة الإمدادات قائم بقوة. إذا حدث ذلك بينما لا تزال الأسواق تتعامل مع آثار الحرب، فقد تتعرض الأسعار لضغوط هبوطية سريعة.

في الوقت نفسه، يطرح القرار تساؤلا أكبر: هل يتكرر المشهد؟ الدول التي ترى أن الحصص تقلص عائداتها قد تعيد التفكير. وكلما زاد عدد الخارجين عن الإطار، تراجعت قدرة أوبك على التنسيق، وأصبح السوق أكثر تقلبا وأقل قابلية للتنبؤ.

لحظة تغيّرت فيها الخريطة

قد يسجل التاريخ هذا الأسبوع كنقطة تحول واضحة في مسار أوبك. خروج الإمارات ليس خطوة عابرة أو ورقة ضغط، بل إعادة تموضع استراتيجية مدروسة من لاعب رئيسي في قطاع الطاقة.

النموذج القديم القائم على التنسيق الجماعي يواجه اختبارا صعبا تحت ضغط الحرب والطموحات وتغير التحالفات. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن في فيينا، وفي مراكز التداول العالمية: إذا كانت الإمارات غادرت بعد ستين عاما، فما الذي يدفع الآخرين للبقاء؟

تحقق أيضا

الذهب

الذهب يتراجع بسبب تقارير عن خطة إيرانية لإنهاء الحرب

تراجع الذهب خلال تداولات الجلسة الأولى هذا الأسبوع، متأثرًا بالطلب على الملاذ الآمن بعد ظهور …