شهدت أسواق المال العالمية أسبوعًا اتسم بالتفاؤل الحذر، إذ واصلت الأسهم الأمريكية تحقيق مكاسب مدعومة بصلابة الأساسيات الاقتصادية، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالشرق الأوسط، وسوف نتناول أهم الأحداث في الفترة الأخيرة في إطار ملخص الأسبوع.
وحافظ وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على تماسكه، إلا أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أبقى الضغوط مرتفعة على أسواق الطاقة العالمية، في ظل غياب تقدم ملموس نحو اتفاق سلام دائم.
رغم ذلك، بدا أن المستثمرين بدأوا في استبعاد السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، مع إعادة التركيز على قوة النمو الاقتصادي وأداء الشركات.
وأظهرت البيانات الاقتصادية الأمريكية قدرة المستهلك على الصمود أمام ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة.
وساعدت التخفيضات الضريبية الأخيرة في تعويض أثر الزيادة في تكاليف الوقود.
كما أشارت استطلاعات ثقة الأعمال إلى استمرار النمو الاقتصادي بوتيرة معتدلة، مما دعم شهية المستثمرين للمخاطرة. وفي الوقت نفسه، لم تشهد توقعات أرباح الشركات تراجعًا كبيرًا في القطاعات الحساسة للطاقة، بينما واصلت شركات التكنولوجيا تسجيل نتائج قوية، الأمر الذي ساهم في تعزيز الصورة العامة للأرباح خلال الربع الحالي.
كما تحسنت قراءات ثقة المستهلك الأمريكي في الفترة الأخيرة، وفقًا للبيانات الصادرة الجمعة الماضية عن جامعة ميتشيجان.
التوترات في الشرق الأوسط
وعلى صعيد الشرق الأوسط، ورغم تمديد وقف إطلاق النار، فإن المفاوضات بشأن اتفاق دائم لا تزال متوقفة. وتشير التقارير إلى احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات قريبًا، لكن الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني والضمانات الأمنية ما زالت تشكل عقبات رئيسية.
وفي ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ارتفعت أسعار الخام مجددًا إلى نحو 95 دولارًا للبرميل، ما يعكس حساسية الأسواق لأي تطور في هذا الملف.
ورغم هذه التحديات، لا يزال من الممكن التوصل إلى تسوية دبلوماسية لا يزال ممكنًا خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع ارتفاع التكلفة الاقتصادية للصراع على جميع الأطراف.
ومع ذلك، فإن أي تأخير في إحراز تقدم ملموس قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على أسعار الطاقة، وهو ما قد ينعكس على أداء الاقتصادات والأسواق العالمية.

حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في الفترة الأخيرة – المعدل اليومي لعبور الحاويات البحرية – المصدر: بلومبرج
التناقض سيد الموقف
لا تزال التناقضات هي المحرك الرئيسي للأسواق، رغم موجات التفاؤل المؤقتة. فالتباين بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني يضغط على الأسهم الأمريكية، في ظل تزامن عناوين تتحدث عن محادثات سلام مع استمرار التحركات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج. وبينما يواصل الرئيس الأمريكي الإدلاء بتصريحات حول جهود السلام وإجراء محادثات موسعة على الجبهة الإسرائيلية‑اللبنانية، تبقى الزوارق العسكرية الإيرانية مصدرًا للتوتر في مياه المنطقة. ويُعتقد أن هذا الوضع يقف وراء أوامر ترامب بـ“إطلاق النار والقتل” ضد الزوارق الإيرانية الصغيرة المشتبه في قيامها بزرع ألغام في مضيق هرمز.
هذه الرسائل المتضاربة — بين جهود السلام من جهة، والتصعيد العسكري من جهة أخرى — أربكت المستثمرين الذين فضّلوا البقاء في الجانب الآمن، محتفظين بأصولهم في الدولار الأمريكي. ويبدو أن التطور الإيجابي الوحيد القادر على إنعاش الأسواق واستعادة شهية المخاطرة لدى المستثمرين قد يكون أي تقدم ملموس في الشرق الأوسط.
المحادثات الإسرائيلية‑اللبنانية: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع، عقب اجتماع في المكتب البيضاوي ضم ممثلين عن الجانبين. وقال ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال” إن القرار جاء بعد محادثات “سارت بشكل جيد جدًا”، حضرها أيضًا نائب الرئيس جي. دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وأضاف أن الولايات المتحدة ستعمل مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من حزب الله، واصفًا الاجتماع بأنه “تاريخي للغاية”، ومشيرًا إلى تطلعه لاستضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلًا.
التهديد العسكري ما زال قائمًا: ازدادت حدة التناقض في المشهد الشرق أوسطي مع الرسائل المختلطة الصادرة عن البيت الأبيض، إذ قال الرئيس الأمريكي إنه أصدر أوامر لقواته بـ“إطلاق النار والقتل” على الزوارق الإيرانية المشتبه في نشرها ألغامًا في مضيق هرمز، في إشارة إلى استعداد واشنطن لاستئناف عملياتها العسكرية ضد إيران.
ورغم تمديد وقف إطلاق النار، تشير التطورات الميدانية إلى أن الهدوء لم يتحقق فعليًا. فقد توسعت العمليات الأمريكية من مجرد تأمين مضيق هرمز إلى فرض حصار بحري عالمي على النفط الإيراني، مع اعتراض سفن مرتبطة بطهران في مناطق تمتد من الهند إلى جنوب شرق آسيا. وتصف واشنطن هذه التحركات بأنها تشديد للعقوبات بهدف خنق الإيرادات النفطية الإيرانية.
وفي المقابل، أعلنت إيران احتجاز سفينتين في مضيق هرمز، في خطوة تُظهر قدرتها على تعطيل أحد أهم الممرات العالمية للطاقة، حتى وإن لم تستطع مواجهة الانتشار البحري الأمريكي الواسع. والنتيجة هي استمرار حالة الضبابية بشأن طرق الإمداد ومسارات الشحن، وهما عنصران أساسيان لاستقرار سوق النفط العالمية.
الأسواق ترتد صعودًا: كان الأمل الوحيد للخروج من حالة العزوف عن المخاطرة هو البيانات الاقتصادية، وهو ما تحقق بعد ارتفاع ثقة المستهلك الأمريكي وفق بيانات يوم الجمعة. كما تلقت وول ستريت دعمًا إضافيًا بعد إعلان وزارة العدل الأمريكية إنهاء التحقيق مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بشأن تجاوزات مزعومة في تكاليف تجديد مباني البنك. وقالت المدعية العامة جينين بيرو إن التحقيق سيُستكمل داخليًا عبر مكتب المفتش العام في الاحتياطي الفيدرالي.
وكان الرئيس الأمريكي قد انتقد سابقًا ارتفاع تكاليف التجديد، في إطار خلاف طويل الأمد مع باول. كما ساهمت الأنباء عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الإيراني إلى باكستان لإجراء جولة ثانية من المحادثات مع الولايات المتحدة في تهدئة التوترات، مما عزز شهية المستثمرين للمخاطرة.
ومع ذلك، يجب التذكير بأن كل هذه التطورات الإيجابية قد تتلاشى بخبر واحد يعمّق التناقضات المحيطة بالمشهد في الشرق الأوسط.

توقعات بأن تواصل الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورس500 في تحقيق أرباح أكثر في 2026 – المصدر: بلومبرج
حركة السعر
الدولار الأمريكي: استفاد كثيرًا من انعدام اليقين حيال مدى تماسك اتفاق وقف إطلاق النار وبيانات أمريكية إيجابية، أبرزها مؤشرات ثقة المستهلك التي ارتفعت في الفترة الأخيرة.
الذهب: مُني الذهب بخسائر أسبوعية بضغط من ارتفاع الدولار الأمريكي وتراجع الطلب على الملاذ الآمن وسط هدوء نسبي في منطقة الشرق الأوسط، والتوصل إلى تمديد وقف إطلاق النار في لبنان مع تأكيد ترامب عزمه على التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران علاوة على تقارير عن تحركات على صعيد الوساطة الباكستانية قد تُجلس الجانبين على مائدة المفاوضات من جديد. وأضاف تحسن البيانات الأمريكية أيضًا إلى معاناة الذهب.
الأسهم الأمريكية: حققت الأسهم في بورصة نيويورك مكاسب أسبوعية نظرًا لتحسن واضح في تقارير أرباح عدد كبير من الشركات العامة، وتحسن ثقة المستهلك، وإغلاق التحقيق الجنائي الذي كانت وزارة العدل الأمريكية قد فتحته مع جيروم باول فيما يتعلق بالتكلفة الباهظة لتجديد مقار ومباني بنك الاحتياطي الفيدرالي. كما استفادت الأسهم من تمديد وقف إطلاق النار في لبنان علاوة على زيادة ثقة المستهلك الأمريكي ونمو مؤشرات مديري المشتريات العالمية (Global PMIs).
الأسبوع المقبل
وتترقب الأسواق هذا الأسبوع صدور عدد كبير من تقارير الأرباح، والتي ستوفر رؤية أوضح حول أداء الشركات في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
كما يترقب المستثمرون اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي، المتوقع أن يبقي على أسعار الفائدة دون تغيير، في ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وتزايد حالة انعدام اليقين الجيوسياسي.
وقد ذلك يكتسب الاجتماع أهمية إضافية كونه قد يكون الأخير لجيروم باول في منصبه كرئيس للبنك المركزي.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات