شهدت الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تحولًا مفاجئًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن “محادثات مثمرة” بين الجانبين، مؤكدًا وجود “نقاط اتفاق رئيسية” قد تمهد لإنهاء الحرب.
ورغم أن هذه التصريحات بدت وكأنها تخفف من حدة التوتر، فإن طهران سارعت إلى نفيها بشكل قاطع، مؤكدة أنه لم تُجرَ أي محادثات مع واشنطن منذ بدء الحملة العسكرية قبل 24 يومًا.
وأعاد هذا التناقض بين الروايتين خلط الأوراق واد من انعدام اليقين حول المشهد الراهن في الشرق الأوسط. كما فتح الباب أمام تساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وما إذا كانت هناك بالفعل قنوات اتصال سرية، أم أن تصريحات ترامب تهدف إلى تهدئة الأسواق وامتصاص الضغوط السياسية.
وجاءت تصريحات ترامب بعد أيام من تهديدات متبادلة بين الطرفين، إذ لوّح الرئيس الأمريكي بضرب وتدمير محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية إذا لم تسمح طهران بمرور السفن عبر مضيق هرمز، بينما ردت إيران بتهديدات مماثلة تستهدف منشآت حيوية في الشرق الأوسط.
وأثارت هذه التهديدات المتبادلة مخاوف من توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي، خصوصًا أن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خمس النفط والغاز المسال في العالم.
أسواق المال
كانت أهم ملامح حركة السعر التي تشكلت عقب تصريحات الرئيس الأمريكي هي هبوط الدولار الأمريكي والذهب في نفس الوقت رغم العلاقة العكسية التي تربط بينهما في الأسواق.
وعادة ما لا تنكسر هذه العلاقة بسهولة، إذ يرتفع الدولار والذهب معًا في نفس الوقت في حالات الفزع والتوترات الحادة التي تسود الأسواق. في المقابل، يهبط المعدن النفيس والعملة الأمريكية معًا في حالات التفاؤل الشديد.
وشاهدنا الاثنين تحققًا لكسر العلاقة بين الدولار الأمريكي والذهب، وهو ما جاء على الأرجح نتيجةً لتعطش المستثمرين في أسواق إلى أي شيء إيجابي، مهما كان صغيرًا، وهو ما وفرت تصريحات ترامب أكثر منه أثناء تعاملات اليوم الأول من أسبوع التداول الجديد.
فرغم استمرار التهديدات باستئناف التصعيد الجيوسياسي في المنطقة – إذ أعلى ترامب تمديد مهلة كان قد أعطاها لإيران للجلوس على مائدة المفاوضات كما أن طهران نفت ما ردده ترامب عن محادثات بين الجانبين وهو ما يجعل الأوضاع مهيئة لعودة التوترات من جديد في أي وقت – رأى المستثمرون أن الإقبال على أصول المخاطرة وبيع أصول الملاذ الآمن ملائمًا في الأيام القليلة المقبلة.
وفي سلسلة من التصريحات المتلاحقة، أعلن ترامب أنه مدّد المهلة الممنوحة لإيران خمسة أيام إضافية، مشيرًا إلى أن مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر أجريا “محادثات قوية جدًا” مع الإيرانيين.
وأضاف أن هذه المحادثات أسفرت عن “نقاط اتفاق رئيسية”، وأنه يتوقع إمكانية التوصل إلى “اتفاق يحقق صالح الجميع” بنهاية المهلة الجديدة.
ورغم هذه اللغة المتفائلة، لم يكشف ترامب عن هوية المسؤولين الإيرانيين الذين تحدث معهم، مكتفيًا بالقول إن الولايات المتحدة تتعامل مع “الشخص الأكثر احترامًا في إيران”، مع تأكيده أنه لم يتحدث مع المرشد الأعلى الحالي.
على الجانب الإيراني، جاءت الردود حاسمة ورافضة. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية أنه لم تُجرَ أي محادثات مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن، وأن ما يتم تداوله “غير صحيح”.
كما نقلت وكالة فارس، المقربة من الحرس الثوري، نفيًا قاطعًا لأي تواصل، بينما وصف رئيس البرلمان الإيراني التقارير الأمريكية بأنها “أخبار كاذبة تهدف إلى التلاعب بالأسواق المالية وأسعار النفط”. وأشارت مصادر إيرانية إلى أن الولايات المتحدة طلبت لقاءً مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، لكن مجلس الأمن القومي لم يبتّ في الطلب بعد.
وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار العمليات العسكرية في المنطقة، إذ أعلنت الإمارات عن تعرضها لنيران إيرانية جديدة، فيما نفذت الطائرات الأمريكية غارات على أهداف في جنوب إيران.
وأكد الجيش الإسرائيلي بدء “موجة جديدة من الضربات” ضد بُنى تحتية إيرانية في طهران. هذا التصعيد الميداني يتناقض مع الحديث عن محادثات، ويعزز الشكوك حول وجود أي تقدم دبلوماسي حقيقي.
ورغم حالة الغموض، دخلت عدة دول على خط الوساطة، من بينها عمان وتركيا ومصر وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد.
وأكد وزير خارجية عمان أن بلاده تعمل على ضمان مرور آمن للسفن عبر مضيق هرمز، بينما أشار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى أن لندن على علم بوجود “مناقشات جارية”، دون تقديم تفاصيل إضافية.
على الصعيد الاقتصادي، كان تأثير الأزمة واضحًا، إذ أدت الهجمات الإيرانية إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز، ما تسبب في هبوط حاد في الأسواق العالمية صباح الاثنين قبل أن تتعافى جزئيًا بعد تصريحات ترامب. كما تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، رغم أن خبراء الأمن البحري يؤكدون أن إعادة فتح المضيق — حتى لو تم التوصل إلى اتفاق — لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب، نظرًا للأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية في الخليج.
وفي الداخل الإيراني، قوبلت تصريحات ترامب بتشكيك واسع. فقد اعتبر كثيرون أن الرئيس الأمريكي يحاول “كسب الوقت” وإعادة ترتيب أوراقه، وأنه لم ينهِ بعد خططه تجاه إيران. ويشير هذا المزاج العام إلى أن الثقة بين الطرفين تكاد تكون معدومة، وأن أي حديث عن اتفاق وشيك لا يزال بعيدًا عن الواقع.
وبين التصعيد العسكري والتصريحات المتفائلة، تبدو الأزمة في مرحلة دقيقة. فترامب يتحدث عن تقدم دبلوماسي، بينما تنفي إيران ذلك تمامًا، والقوات على الأرض تواصل عملياتها.
وفي ظل هذا التناقض، يبقى مستقبل الصراع مفتوحًا على كل الاحتمالات، من تهدئة مؤقتة إلى انفجار جديد قد يغير ملامح المنطقة بأكملها.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات