يشهد سوق العمل الأمريكي حالة من الترقب الشديد مع اقتراب صدور بيانات التوظيف، أبرزها تقرير التوظيف في القطاعات غير الزراعية الأمريكية (NFP) لشهر فبراير الماضي.
ويقع هذا التقرير على درجة كبيرة من الأهمية كونها من أبرز المؤشرات الاقتصادية التي يعتمد عليها المستثمرون وصنّاع القرار لتقييم قوة الاقتصاد الأمريكي وتحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
ورغم أن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تستحوذ قدرٍ كبيرٍ من اهتمام الأسواق، فإن تقرير الوظائف يظل حدثًا محوريًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ظل حساسية الأسواق تجاه أي مفاجآت في البيانات الاقتصادية.
وتشير التوقعات الأولية إلى احتمال أن يكون الاقتصاد الأمريكي قد أضاف نحو 59 ألف وظيفة فقط خلال فبراير، وهو رقم يعكس تباطؤ واضحًا مقارنة بالقراءة القوية لشهر يناير التي سجلت 130 ألف وظيفة.
كما تشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع متوسط الأجور بنسبة 0.3% على أساس شهري، واستقرار معدل البطالة عند 4.3%.
وتعكس هذه الأرقام المتوقعة استمرار تراجع معدلات التوظيف وتراجع معدل إلغاء الوظائف، وهو الوضع السائد في سوق العمل الأمريكي منذ العام الماضي، حيث يواصل أصحاب العمل توخي الحذر في التوظيف دون اللجوء إلى تسريح عمالة على نطاق واسع.
ورغم هذه التوقعات المتحفظة، فإن المؤشرات الرائدة المرتبطة بسوق العمل تعطي صورة أكثر تفاؤلًا.
وارتفع مكون التوظيف في مؤشر مديري المشتريات الخدمي الصادر عن المعهد الأمريكي لدراسات الإمدادات (ISM) إلى 51.8 نقطة مقابل القراءة السابقة التي سجلت 50.3 نقطة، وهو ما يشير إلى توسع في التوظيف داخل القطاع الأكبر في الاقتصاد الأمريكي.
أما مؤشر التوظيف في قطاع التصنيع الصادر عن نفس الجهة فاستقر عند 48.8 نقطة، وهو مستوى لا يزال دون خط النمو، لكنه يعكس استقرارًا نسبيًا مقارنة بالشهور السابقة.
وأظهر تقرير التوظيف الصادر عن الهيئة الأمريكية للمعالجة الإلكترونية للبيانات (ADP) لشهر فبراير الماضي إضافة 63 ألف وظيفة، متجاوزًا التوقعات التي أشارت إلى 50 ألف وظيفة فقط، مما يعكس استمرار صمود سوق العمل الأمريكي في مواجهة معنويات السوق السلبية.
اجتماع إبريل للفيدرالي
وتدفع هذه القراءات في اتجاه توقعات بصدور قراءة أقوى من المتوقع في تقرير التوظيف غير الزراعي في الولايات المتحدة ربما في نطاق 100 إلى 130 ألف وظيفة، وذلك رغم أن هامش انعدام اليقين يبقى مرتفعًا بسبب التغيرات الموسمية وتفاوت معدلات الاستجابة في جمع البيانات.
ومع ذلك، تبقى التوقعات الرسمية أكثر تحفظًا، وهو ما يجعل التقرير أكثر تأثيرًا في حال جاءت الأرقام مفاجئة للأسواق.
وعلى صعيد السياسة النقدية، يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي في طريقه للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه في نهاية مارس.
فالتضخم لا يزال أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2.00%، وهناك مخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط في بداية مارس إلى زيادة الضغوط التضخمية.
وتشير أدوات متابعة توقعات الفائدة إلى أن الأسواق تسعّر احتمالًا يبلغ 97% لعدم حدوث أي تغيير في الفائدة خلال الاجتماع المقبل.
أما بالنسبة لاجتماع أبريل المقبل، وهو الأخير لرئيس الفيدرالي جيروم باول قبل انتهاء ولايته، فلا تتجاوز احتمالات خفض الفائدة 15%، مما يعكس قناعة واسعة بأن الفيدرالي لن يتحرك نحو التيسير الكمي قبل رؤية تباطؤ واضح في سوق العمل أو تراجع ملموس في التضخم.
ومع اقتراب نهاية ولاية باول، تتجه الأنظار نحو الرئيس المحتمل الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش الذي يُعتقد أنه قد يكون أكثر ميلًا إلى خفض الفائدة مقارنة بسلفه. لكن هذا التوجه سيظل مرهونًا ببيانات سوق العمل والتضخم خلال الأشهر المقبلة، إذ لا يمكن للفيدرالي اتخاذ خطوات تيسيرية في ظل اقتصاد لا يزال يظهر مرونة واضحة.
حركة السعر
على صعيد العملات، يواصل زوج الدولار/ ين التحرك قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع، إذ يوجد زوج الدولار/ ين عند الحد الأعلى لنطاق التداول الحالي عند مستوى 157.00 للدولار.
وإذا جاءت بيانات الوظائف أقوى من المتوقع، فقد يمتد صعود الزوج نحو مستوى 159.00، وهو أعلى مستوى له في عام ونصف.
ويرجح هذا الارتباط حساسية الين الياباني تجاه البيانات الأمريكية، خصوصًا في ظل الفجوة الكبيرة بين السياسة النقدية التيسيرية في اليابان والسياسة الأكثر تشديدًا في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة لأسواق المال بشكل عام، فإن تقرير الوظائف سيحدد إلى حد كبير اتجاه الدولار، وعائدات السندات، وأسعار الذهب، وحتى أسواق الأسهم.
فإذا جاءت البيانات قوية، فقد يعزز ذلك الدولار ويضغط على الذهب بينما قد تتراجع الأسهم بسبب توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة. أما إذا جاءت البيانات ضعيفة، فقد يحدث العكس تمامًا، حيث يتراجع الدولار وترتفع الأصول الحساسة للفائدة.
ومع اقتراب موعد صدوره، يترقب المستثمرون كل تفصيل قد يغير توقعاتهم بشأن مسار الفائدة، واتجاه الدولار، ومستقبل الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات