شكل أسبوع التداول الماضي واحدا من أكثر الأسابيع ازدحاما على الأجندة الاقتصادية لعام 2026، إذ تشابكت فيه خيوط متعددة في آنٍ واحد، وشملت أبرز محركات الأسعار نتائج أرباح إنفيديا القياسية، وصدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير في عهد جيروم باول، وتقلبات حادة في أسعار النفط مرتبطة بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني، إضافة إلى موجة تسريح موظفين متواصلة وبيانات اقتصادية كلية على ضعيد قراءات التضخم حول العالم.
وشهد الأسبوع نمطا اعتادته الأسواق وسط توتر جيوسياسي يتأرجح بين خشية الحرب وأمل السلام، وتضخم عنيد، وبنوك مركزية تقف عند مفترق طرق تاريخي.
الأسهم الأمريكية — إنفيديا تقود المسار من الحذر إلى التفاؤل
استهلت وول ستريت الأسبوع على وقع تراجع من القمم القياسية وسط مخاوف تضخمية متصاعدة، في مواجهة أجندة مزدحمة تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى صحة المستهلك العالمي واتجاهات السياسة النقدية. إلا أن المزاج تحول بشكل لافت في منتصف الأسبوع بعد إعلان إنفيديا نتائجها؛ بإيرادات قياسية بلغت 81.6 مليار دولار في الربع الأول من سنتها المالية 2027، بارتفاع 85% على أساس سنوي و20% عن الربع السابق، مع تسجيل قطاع مراكز البيانات وحده إيرادات بلغت 75.2 مليار دولار أي بارتفاع 92% عن العام الماضي. كما تخطت الشركة توقعات ربحية السهم بنسبة 5.4% محققة 1.87 دولار مقابل توقعات بـ1.77 دولار، في الفصل الرابع المتتالي الذي تتجاوز فيه تقديرات وول ستريت.
وواصلت الأسهم الأمريكية صعودها للأسبوع الثامن على التوالي رغم ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات تقترب من أعلى نطاقاتها خلال ثلاث سنوات، ما يعكس قوة الزخم الحالي في الأسواق. ويبدو هذا الصعود مدعوما بشكل أساسي بالأرباح القوية للشركات، خاصة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في وقت يزداد فيه قلق المستثمرين من ارتفاع التضخم وأسعار النفط واتساع الدين الحكومي الأمريكي. كما أن الأسواق بدأت تعيد تسعير احتمالات تحرك الاحتياطي الفيدرالي، بعدما كانت تتوقع خفضا للفائدة وأصبحت تتحدث عن احتمال رفع جديد لمعدلات الفائدة الفيدرالية إذا استمرت الضغوط التضخمية الراهنة.
ملحوظة تحليلية: تجدر الإشارة إلى أن الوضع الحالي يختلف جذريا عن أزمة التضخم في عام 2022، لأن السياسة النقدية اليوم أكثر تشددا بالفعل، وسوق العمل أصبح أكثر توازنا، كما أن الدعم المالي الحكومي أقل قوة مقارنة بفترة ما بعد الجائحة. ولهذا يعتقد المحللون أن الفيدرالي الأمريكي لن يندفع نحو رفع الفائدة بقوة، بل سيحافظ على نهج حذر ويراقب تطورات أسعار الطاقة والتضخم. كما أن أي تهدئة محتملة في التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط قد تساعد في تخفيف الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
أما على مستوى الاستثمار، فارتفاع العوائد قد يزيد من تقلبات الأسهم ويمثل ضغطا على التقييمات، لكنه لا يمثل حتى الآن تهديدا مباشرا للسوق الصاعد. ويفضل المحللون التركيز على أسهم الشركات الأمريكية الكبرى والمتوسطة، خاصة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والقطاعات الدورية الأقل سعرا. وفي سوق السندات، تبدو السندات قصيرة الأجل أكثر جاذبية حاليا بسبب عوائدها المرتفعة مقارنة بالنقد، بينما لا يزال تمديد آجال الاستثمار في السندات الطويلة محفوفا بالمخاطر بسبب استمرار التضخم ومخاوف الدين الحكومي بالولايات المتحدة.
على صعيد الأداء الأسبوعي الكلي:
- ارتفع داو جونز إلى مستوى قياسي جديد عند 50,579 نقطة.
- صعد ستاندرد آند بورز 500 للأسبوع الثامن على التوالي في أطول سلسلة مكاسب أسبوعية منذ عام 2023 ليبلغ 7,473 نقطة.
- تقدم ناسداك إلى 26,343 نقطة، وتفوق أداء الأسهم الصغيرة والقيمية على الكبيرة والنمو.
البيانات الاقتصادية
غير أن ثمة تحفظات هيكلية تختبئ خلف هذه الأرقام المتفاءلة؛ إذ كشفت بيانات مؤشرات مديري المشتريات PMI الصادرة عن مجموعة ستاندرد آند بورز جلوبال عن ارتفاع تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ أواخر عام 2022، فيما بلغ مؤشر التضخم السعري أعلى مستوياته منذ أغسطس 2022. كذلك تراجعت نسبة التوظيف في المؤشر، إذ تعزو الشركات تراجع العمالة إلى مخاوف تصاعد التكاليف وضعف الطلب. وعلى الصعيد الاستهلاكي، هوى مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيجان للشهر الثالث على التوالي إلى مستوى قياسي هبوطيا؛ بلغ 44.8 نقطة، مع ارتفاع توقعات التضخم على مدى العام إلى 4.8% مقارنة بـ3.4% قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
وفي سوق الإسكان، أفادت الرابطة الوطنية لبناء المنازل بأن مؤشرها عند 37 نقطة لا يزال دون مستوى التعادل للشهر الخامس والعشرين على التوالي، في ظل ارتفاع معدلات الرهن العقاري إلى 6.51%، وهو الأعلى منذ أغسطس.
السندات والدولار والفيدرالي — وارش يرث ملفا شائكا
مثل الأسبوع اختبارا دقيقا لمصداقية السياسة النقدية الأمريكية في حقبة ما بعد جيروم باول. وانصب تركيز المستثمرين على محضر اجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الذي رأسه جيروم باول قبل تسليم المقعد رسميا إلى كيفن وارش، مع رغبة الأسواق في قياس حدة مواقف أعضاء اللجنة إزاء التضخم في أعقاب مفاجأة أبريل. وكشف المحضر الصادر الأربعاء عن تصاعد ملحوظ في مخاوف صانعي السياسة النقدية، مع إشارة غالبية المشاركين إلى احتمال تشديد إضافي للسياسة إذا ظل التضخم عنيدا فوق هدف الـ2%.
سندات الخزانة الأمريكية
شهدت عوائد سندات الخزانة الأمريكية عشر السنوات تقلبات حادة خلال الأسبوع؛ إذ صعدت من 4.6% إلى ذروة أسبوعية عند 4.69% في منتصفه، قبل أن تتراجع إلى نحو 4.56% بنهاية الجمعة. وعلى نطاق أوسع، ترتفع العوائد في مختلف الأسواق المتقدمة؛ إذ تقود السندات البريطانية عشرية مجموعة السبع بعائد 5.18%، تليها أستراليا عند 5.07%، فيما تسلق العائد الياباني من مستويات الصفر في عام 2021 إلى 2.72%.
ويضاف إلى هذا المشهد الضغط المتراكم من الاستحقاق المالي الأمريكي؛ إذ تقدر موديز أن العجز قد يرتفع من 6.4% إلى نحو 9% من الناتج المحلي بحلول 2035 في ضوء مشروع قانون الإصلاح الضريبي، مما بات يشكل أحد المحركات الرئيسية لارتفاع العوائد طويلة الأجل. وتشير بيانات العقود الآجلة إلى أن توقعات خفض الفائدة تحولت جذريا نحو احتمال رفعها مرة واحدة على الأثل خلال الاثني عشر شهرا المقبلة.
مؤشر الدولار
وعن مؤشر الدولار DXY، فقد استقر قرب مستوى 99 في توازن هش بين عاملين متعاكسين: الطلب على الملاذ الآمن من جهة، وضغوط الإنفاق المالي المتصاعدة التي تقوض الثقة في الأصول الأمريكية من جهة أخرى. ويواصل الدولار منحنى هبوطيا في 2026، إذ خسر نحو 2.17% على أساس شهري، بينما يستمد الذهب زخما هيكليا من هذا الضعف الذي يغذي ارتفاعه البالغ 43% منذ بداية العام حتى أوائل مايو.
الذهب — أعلى 4500 دولار
أنهى الذهب تعاملات الجمعة عند 4,521 دولارا للأونصة، بتراجع طفيف في جلسة الختام باتجاه إغلاق أسبوعي سلبي محدود مع ظهور مؤشرات على تقدم مفاوضات السلام الأمريكية الإيرانية. وقد بقي المعدن الأصفر طوال الأسبوع رهين إشارات متضاربة؛ فمن جهة أفادت طهران بأن الاقتراح الأمريكي الأخير ردم جزءا من الهوة بين الطرفين، ومن جهة أخرى كشفت تقارير عن توجيه المرشد الأعلى بإبقاء مخزون اليورانيوم المخصب، ما ساهم في تعقيد المفاوضات إذ يظل تفكيك البرنامج النووي شرطا أمريكيا جوهريا.
وفي ظل استمرار ضغوط التضخم، ارتفعت احتمالية رفع الفائدة الأمريكية قبل نهاية العام إلى نحو 55%، فيما أشار حاكم الفيدرالي كريستوفر والر إلى أنه لم يعد يرى ضرورة للإبقاء على توجه تيسيري في البيانات الرسمية. ويحتفظ الذهب بزخمه الهيكلي كملاذ آمن في مواجهة مخاطر الدولار والتضخم معا، غير أنه يميل نحو الانخفاض كلما لاحت ملامح هدنة إيرانية في الأفق.
النفط — الدبلوماسية تتحول إلى نبضات سعرية
لم تكن أسعار النفط هذا الأسبوع انعكاسا لمعادلة العرض والطلب التقليدية، بقدر ما كانت مرآة للدبلوماسية المتقلبة في منطقة الخليج. هوت أسعار الخام بنحو 5.6% يوم الأربعاء إلى أدنى مستوياتها في أكثر من أسبوع، إثر تصريح الرئيس ترامب بأن المحادثات مع إيران دخلت مراحلها الأخيرة، ليستقر برنت عند 104.2 دولار وخام غرب تكساس الوسيط عند 97.66 دولار. ولم يستمر هذا الهبوط طويلا إذ عادت مخاوف التعقيدات التفاوضية لتعيد جزءا من علاوة المخاطرة إلى الأسعار.
ويتجلى الثقل الاستراتيجي لهذا الملف في أن نحو خمس الاستهلاك النفطي العالمي يمر عبر مضيق هرمز، فضلا عن صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق التي تسلك المضيق ذاته؛ مما يجعل كل تصريح أو تسريب متعلق بالتفاوض مناسبة لإعادة تسعير فورية لعلاوة المخاطرة الجيوسياسية في سوق الطاقة العالمي.

إعداد: فريق نور تريندز
اليورو والأسواق الأوروبية — مزيج من الأمل والتقشف
أنهى مؤشر ستوكس 600 الأوروبي الأسبوع بمكاسب 3% بالعملات المحلية، مدفوعا بالتفاؤل إزاء احتمال تهدئة الصراع في الشرق الأوسط، مع تصدر داكس الألماني بارتفاع 3.92%، فيما صعد كاك الفرنسي 2.05% وكسب فوتسي البريطاني 2.66%.
غير أن البيانات الاقتصادية الكلية رسمت صورة أكثر قتامة من الأداء السوقي؛
- خفضت المفوضية الأوروبية توقعاتها لنمو منطقة اليورو في 2026 إلى 0.9% فقط من 1.4% عام 2025 ومن تقديرها السابق البالغ 1.2%، مستندة إلى “صدمة طاقة كبرى” و”بيئة جيوسياسية وتجارية متقلبة”.
- رفعت في الوقت ذاته توقعاتها للتضخم إلى 3% من 1.9%.
- على صعيد التجارة الخارجية، تقلص الفائض التجاري الأوروبي بصورة حادة إلى 7.8 مليار يورو في مارس 2026، مقارنة بـ34.1 مليار يورو في الشهر ذاته من عام 2025، في ظل تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 38.8% جراء الرسوم الجمركية المفروضة منذ أبريل 2025، مع تسجيل أكبر الانخفاضات في قطاعات الكيماويات والآلات والسيارات.
الإسترليني والاقتصاد البريطاني — تباطؤ التضخم وسط سوق عمل متصدع
عاصر الإسترليني أسبوعا متناقضا؛ إذ هوت العملة إلى أدنى مستوياتها في ستة أسابيع تحت وطأة الاضطراب السياسي الداخلي، لكن البيانات الاقتصادية أمدتها بشيء من الدعم في نهاية الأسبوع. فقد تباطأ التضخم السنوي البريطاني إلى 2.8% في أبريل منخفضا من 3.3% في مارس ودون توقعات السوق البالغة 3%، وعزا مكتب الإحصاء الوطني ذلك جزئيا إلى سقف الطاقة الذي أقره المنظم وساهم في كبح الضغوط السعرية.
في المقابل، ارتفعت نسبة البطالة البريطانية بشكل مفاجئ إلى 5% في الربع المنتهي في مارس، مع تراجع عدد الوظائف الشاغرة 3.9% إلى 705 آلاف وظيفة، وهو أدنى مستوى في خمس سنوات. يضع هذا المشهد المتناقض بنك إنجلترا في موقف بالغ الحرج؛ فهو يسعى إلى تضخم أقل لدعم التيسير، لكن سوق العمل يتدهور بوتيرة لا تسوغ تشديدا إضافيا.
الين الياباني — ترقب دقيق لبيانات التضخم والعيون تتعلق ببنك اليابان
شكل صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلك الياباني لشهر أبريل أحد المحطات الجوهرية في الأسبوع، إذ يرصدها المستثمرون باعتبارها إشارة كاشفة لتوقعات رفع الفائدة في اجتماع يونيو المقبل. وارتدت الأسواق اليابانية بقوة خلال هذه الفترة مع صعود نيكاي 225 بنسبة 3.14% والـTOPIX بنسبة 0.74%، مدعومين بالتفاؤل حيال مباحثات السلام واستقرار أسعار النفط الذي دعم شهية المخاطرة في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويظل الين في قلب ديناميكية سوقية أوسع؛ إذ يبقي ضعفه تمويل عمليات “كاري تريد” رخيصا مما يدعم المراكز المرفوعة في أصول المخاطرة كافة بما فيها سوق مشتقات الكريبتو. وأي مفاجأة من بنك اليابان في اتجاه التشديد كفيلة بإحداث موجة بيع تسلسلية في الأسواق العالمية، كما جرى في أغسطس 2024 حين أسقط رفع الفائدة المفاجئ سعر بيتكوين 15,000 دولار في 48 ساعة.
الدولار الكندي — بين النفط الخام وضغوط الشريك التجاري
ظل الدولار الكندي تحت ضغط مزدوج هذا الأسبوع؛ فمن جهة تأثرت العملة وثيقة الصلة بالنفط بالتقلبات الحادة في أسعار الخام المرتبطة بمسار التفاوض الإيراني، ومن جهة أخرى واصلت البيانات الاقتصادية الكندية إرسال إشارات انكماشية في قطاعات الطلب المحلي. وبينما يترقب بنك كندا مزيدا من الاعتدال التضخمي، يقيد تباطؤ الاقتصاد الأمريكي؛ الشريك التجاري الأكبر، أي تعافي مستدام للعملة.
العملات المشفرة — تعافي من صدمة الاثنين
افتتح الأسبوع على تراجع حاد وافتتحت تعاملات البيتكوين عند 77,414 دولارا؛ أدنى سعر افتتاح منذ مطلع الشهر، في خضم أجواء حذر سادت جميع فئات الأصول مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. وبلغت عمليات تصفية المراكز الرافعة يوم الاثنين وحده 563 مليون دولار، طالت في معظمها حاملي بيتكوين وإيثيريوم.
ثم انعكس المشهد تدريجيا مع نتائج إنفيديا وإشارات التقدم في المفاوضات الإيرانية، فاستعادت بيتكوين مستوياتها فوق 79,000 دولار في نهاية الأسبوع. وتجدر الإشارة إلى الطبيعة الهيكلية للضغط على الكريبتو في هذه المرحلة؛ إذ تهيمن العوامل الكلية الكبرى، من ارتفاع العوائد إلى ضيق السيولة الدولارية وتقلبات “كاري تريد” بالين، على المشهد أكثر من العوامل التقنية الخاصة بالأصول الرقمية ذاتها.

إعداد: فريق نور تريندز
تسريح الموظفين — موجة هيكلة عميقة تتسع
واصلت موجة إعادة الهيكلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي اتساعها بوتيرة لافتة طوال الأسبوع.
- أعادت ميتا توزيع 7,000 موظف على وظائف جديدة متعلقة بالذكاء الاصطناعي يوم الأربعاء 20 مايو.
- أعلنت ستاندرد تشارترد الاثنين 19 مايو عزمها إلغاء نحو 8,000 وظيفة دعم خلال السنوات الأربع المقبلة.
- أقدمت مجموعة إيكيا في اليوم ذاته على تسريح 850 وظيفة ضمن حملة خفض تكاليف في مواجهة تراجع الإنفاق الاستهلاكي.
- أعلنت وول مارت تقليص أو إعادة توطين ما يقارب ألف وظيفة مؤسسية مع دمج فرق التكنولوجيا والمنتجات عالميا.
- مضت أوراكل في تسريح ما يصل إلى 30,000 موظف حول العالم.
وتشير بيانات متخصصة إلى أن ما يزيد على 339 شركة تكنولوجية نفذت تسريحات في 2026 حتى الآن، طالت نحو 143,000 موظف بمعدل ألف وظيفة يوميا، متجاوزة وتيرة 2025 البالغة 674 وظيفة يوميا. ويعكس هذا النمط ظاهرة أعمق من مجرد خفض التكاليف; فشركات تتصاعد أرباحها كميتا وإنفيديا تسرح في الوقت ذاته، مما يدل على إعادة هيكلة رأسمالية شاملة تعيد توزيع الأعمال البشرية بين ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أداؤه وما لا يستطيع.
التضخم والبنوك المركزية — سيمفونية التشديد تعود
جاء المشهد التضخمي العالمي هذا الأسبوع ملتبسا، لكنه يميل بمجمله نحو الاستمرار لا التراجع. في منطقة اليورو، رفعت المفوضية الأوروبية توقعاتها للتضخم إلى 3% من 1.9%، فيما قفز تضخم أسعار المنتجين الألمانية إلى 1.7% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2023، مدفوعا بأسعار السلع الوسيطة والطاقة. وفي الولايات المتحدة، ترسم قراءات PMI وثقة المستهلك صورة لتضخم عنيد، في حين ينبه المحللون إلى أن قانون “الجميل الكبير” يحمل في طياته رفعا هيكليا للعجز من 6.4% إلى نحو 9% من الناتج بحلول 2035، مما يشكل ضغطا تصاعديا مزمنا على عوائد السندات.
وفي مواجهة هذا الواقع، يقف كيفن وارش على رأس الفيدرالي في لحظة بالغة الحساسية؛ فالإرث الذي تركه باول يتضمن تضخما فوق الهدف وتوقعات سوق ترجح الرفع لا الخفض، فيما يزيد المشهد تعقيدا ضغط ترامب العلني لصالح التيسير في الوقت الذي يدفع فيه مشروع الإصلاح الضريبي العجز في الاتجاه المعاكس تماما.
التطورات الجيوسياسية — هرمز يمتلك بوصلة أسواق الطاقة
حافظ المستثمرون طوال الأسبوع على توقع راجح بأن المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني أكثر احتمالا من التصعيد العسكري المفتوح، وهو ما انعكس في تقدم الأسهم وتراجع النفط والذهب في نهايته. بيد أن هذه القناعة تبقى هشة وقابلة للتبدل مع كل تصريح يصدر من طهران أو واشنطن.
وفي أوروبا، يتكشف تدريجيا الثمن الباهظ الذي تدفعه الاقتصادات القارية جراء تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية ومخلفات صدمة الطاقة؛ إذ تقلص الفائض التجاري الأوروبي إلى أقل من ربع مستواه في مارس 2025 بسبب تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة تقارب 39%، مما يرسل إشارة اقتصادية واضحة مفادها أن الأسواق لا تزال في منتصف الطريق لاستيعاب تكاليف التوترات التجارية والجيوسياسية المتراكمة منذ أبريل 2025.
ملخص أسبوع 18 – 22 مايو 2026
رسم أسبوع 18 – 22 مايو 2026 خارطة الأسواق في لحظة استراتيجية نادرة: ذكاء اصطناعي يدفع بالأرباح إلى مستويات قياسية، وتضخم يأبى التراجع، وبنوك مركزية مكبلة بين ضغوط سياسية وضرورات نقدية، وجيوسياسة تعيد كتابة خرائط إمدادات الطاقة. وبينما تحتفل الأسواق بأرقام إنفيديا، تواصل السندات إرسال تحذيراتها.
| المؤشر / الأصل | المستوى الرئيسي / المحطة الأبرز في الأسبوع |
| إيرادات إنفيديا للربع الأول 2027 | 81.6 مليار دولار (+85% على أساس سنوي) |
| المعدل الصناعي لداو جونز | مستوى قياسي جديد عند 50,579 نقطة |
| ستاندرد آند بورز 500 | 7,473 نقطة (صعود للأسبوع الثامن على التوالي) |
| عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات | قفز إلى 4.69%، وأغلق قرب 4.56% |
| الذهب (للأونصة) | 4,521 دولارا |
| برنت الخام (للبرميل) | 104.2 دولار |
| بيتكوين | استعادت مستوياتها فوق 79,000 دولار |
بلغ عائد السندات الأمريكية ذات الثلاثين عاما 5.2% في وقت من أوقات الأسبوع، وهو الأعلى منذ عام 2007، مدفوعا بمخاوف التضخم المرتبطة بالصراع الإيراني وتصاعد القلق إزاء الأوضاع المالية الأمريكية. وكان الحدث الأشد دلالة على أوضاع السيولة هو مزاد الخزانة الأمريكية لسندات العشرين عاما الذي جرى الأربعاء؛ إذ شهد الطرح البالغ 16 مليار دولار طلبا فاترا عند نسبة تغطية 2.46 مرة فقط، وهي الأضعف منذ فبراير، مع ارتفاع عائد السندات عشرينية بعد المزاد إلى 5.127%، أعلى مستوى منذ نوفمبر 2023، فيما تراجعت الأسهم والدولار في الوقت ذاته.
ويكشف هذا المشهد عن نمط هيكلي عميق؛ فالطرح المستمر من وزارة الخزانة لكميات ضخمة من الديون يفوق مستويات الطلب، مع تلاشي العلاوة التفضيلية التي كانت تتمتع بها سندات الخزانة لدى المستثمرين، وهو ما يظهر بوضوح في السندات الطويلة الأجل الأكثر عرضة لمخاطر توسع العجز. وفي بعض جلسات الأسبوع، أقدم المستثمرون على بيع أكثر أصولهم سيولة، من معادن ثمينة وأسهم، للحصول على السيولة النقدية اللازمة في مواجهة حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وهو سلوك يعكس ضغطا حقيقيا على السيولة لا مجرد إعادة توازن اعتيادية. وفي المحصلة، ترسل أسواق السندات تحذيرا واضحا: مع ميزانية فيدرالية تتوسع، وتضخم لا يتراجع، وعرض ديون يتسارع, باتت موجات البيع في السندات الطويلة الأجل تعكس شكا حقيقيا في الجدارة الائتمانية على المدى البعيد، لا مجرد إعادة تسعير للفائدة.
الآفاق المرتقبة لأسبوع 26 – 29 مايو 2026
يتوقع أن يفتتح أسبوع ٢٦ – ٢٩ مايو على وقع إغلاق وول ستريت الاثنين بمناسبة عطلة “ميموريال داي”، مما يضيق نافذة التداول الفعلية إلى أربعة أيام تتمركز حولها محطات بيانات بالغة الأثر. تهيمن على الأجندة الأمريكية بيانات الخميس الثقيلة التي تشمل التقدير الثاني لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول، وبيانات الإنفاق الشخصي والدخل، وفي مقدمتها مؤشر الإنفاق الشخصي PCE، المقياس المفضل للفيدرالي للتضخم، إلى جانب طلبات السلع المعمرة وبيانات مبيعات المنازل الجديدة وطلبات الإعانة الأسبوعية.
وعلى الصعيد الدولي:
- الأربعاء: تصدر نيوزيلندا قرارها في شأن أسعار الفائدة في أول اجتماع بقيادة المحافظة الجديدة، فيما تصدر أستراليا بيانات تضخمها لشهر أبريل في الموعد ذاته.
- الجمعة: تختتم الأسبوع ببيانات التضخم الألمانية وناتج كندا المحلي الإجمالي، فيما تطلق الصين مؤشرات مديري المشتريات PMI مطلع يونيو.
فهل تبقي قراءة PCE المرتقبة على رواية التضخم العنيد وتعزز رهانات رفع الفائدة التي باتت تسعرها الأسواق، أم تفاجئ بتراجع يعيد فتح نافذة التيسير أمام كيفن وارش؟ وبالتوازي، يبقي مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية يدَه على زناد أسعار النفط، إذ أن كل تصريح أو تسريب كفيل بإعادة رسم مستويات الخام وعلاوة المخاطرة في آنٍ معا.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات