أصدر محافظو البنوك المركزية حول العالم بيانًا مشتركًا يعلنون فيه دعمهم لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول في وقت يواجه فيه تحقيقًا جنائيًا إضافة إلى ضغوط متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعه إلى الاستقالة المبكرة.
يُعد صدور بيان كهذا عن محافظي البنوك المركزية أمرًا نادرًا للغاية، لكن المرحلة الحالية استثنائية بكل المقاييس.
ويُرجح أن يكون السبب وراء تحرك هذا العدد الكبير من كبار مسؤولي البنوك المركزية — من أستراليا والبرازيل وكندا وأوروبا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى، إضافة إلى بنك التسويات الدولية — واضح، إذ أن قرارات الفائدة الأمريكية تؤثر على العالم بأسره، ولا يريد هؤلاء المسؤولون أن تُرسى سابقة خطيرة تهدد استقلالية السياسة النقدية.
وأصبحت استقلالية البنوك المركزية في دول الاقتصادات الرئيسية حول العالم هي القاعدة العالمية خلال العقود الأخيرة.
وساعد السماح للبنوك المركزية بتحديد أسعار الفائدة لتحقيق أهداف التضخم في تجنب تكرار موجات التضخم المرتفع التي تعرض لها الاقتصاد العالمي في سبعينيات القرن الماضي.
أما إعادة سلطة تحديد السياسة النقدية إلى السياسيين — خصوصًا سياسي غير متوقع مثل ترامب — فهي خطوة غير مرحب بها في عالم تُعد استقلالية واحترافية القرار فيه هي أساس الذي تستند إليه السلطات النقدية في قراراتها وإجراءاتها.
القصة من البداية
دأب ترامب على شن هجمات على الاحتياطي الفيدرالي في كثير من المناسبات منذ توليه السلطة في فترة ولايته الأولى، كما أعرب الرئيس الأمريكي عن رغبته في إقالة باول قبل انتهاء ولايته في مايو المقبل.
وتضمنت تلك الهجمات انتقادات ووصف باول بالفاشل والمتأخر دائمًا لعدم خفضه الفائدة في الوقت المناسب من وجهة نظر ترامب. وتجاوز الأمر ذك إلى حد خروج تصريحات من مسؤولين في البيت الأبيض تفيد أن الإدارة الأمريكية تدرس مسألة إقالة رئيس الفيدرالي.
لكن القانون ينص على أن الرئيس لا يمكنه إقالة رئيس الفيدرالي إلا “لسبب وجيه”، وليس لمجرد الرغبة، ويُفهم ذلك عادة على أنه يتطلب ارتكاب مخالفة قانونية.
وتنظر المحكمة العليا حالياً في قضية تتعلق بما إذا كان للرئيس سلطة إقالة عضو آخر في مجلس الفيدرالي، وهي ليزا كوك التي اتهمتها إدارة ترامب بممارسة الاحتيال.
وفي هذا الأسبوع، كشف باول أنه تلقى مذكرة استدعاء من وزارة العدل الأمريكية تهدد بتوجيه اتهام جنائي له، يتعلق بشهادته أمام لجنة البنوك في مجلس الشيوخ بشأن مشروع تجديد مباني الفيدرالي بتكلفة 2.5 مليار دولار. ونفى ترامب أي علاقة له بالتحقيق.
لكن باول أصدر بيانًا قويًا يدافع فيه عن نفسه، مؤكدًا أن الإشارة إلى أعمال البناء ليست سوى “ذريعة”، وأن القضية الحقيقية هي:
ما إذا كان الفيدرالي سيستمر في تحديد الفائدة بناءً على الأدلة والظروف الاقتصادية، أم أن السياسة النقدية ستخضع لضغوط سياسية أو تهديدات.
وأصدر أكثر من اثني عشر من كبار محافظي البنوك المركزية حول العالم بيانًا الثلاثاء الماضي جاء فيه:
“نحن نقف في تضامن كامل مع بنك الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جيروم باول. إن استقلالية البنوك المركزية ركيزة أساسية لاستقرار الأسعار والاستقرار المالي والاقتصادي، ومن الضروري الحفاظ على هذه الاستقلالية مع الاحترام الكامل لسيادة القانون والمساءلة الديمقراطية”.
كما صدر بيان دعم آخر من كبار الاقتصاديين الأمريكيين — بمن فيهم جميع رؤساء الفيدرالي السابقين الأحياء، ومنهم آلان غرينسبان، الذي عُيّن في عهد رونالد ريجان وأُعيد تعيينه في عهود جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن.
وحذّر البيان من أن تقويض استقلالية الفيدرالي قد يؤدي إلى “عواقب وخيمة” على التضخم وعلى أداء الاقتصاد.
التضخم
قال ترامب إنه يريد من الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بشكل كبير، من المستوى الحالي البالغ 3.5–3.75% إلى 1.00% بينما يرى معظم الاقتصاديين أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع كبير في التضخم.
وسجل التضخم في الولايات المتحدة 2.8%، وهو أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2.00%، وعادة لا تنخفض الفائدة إلى 1.00% إلا في حالة دخول اقتصاد البلاد في حالة من الركود الحاد.
أحد الأمثلة الواضحة على مخاطر تسييس البنوك المركزية حدث عندما خفض الفيدرالي أسعار الفائدة قبل انتخابات 1972، ويُعتقد أن ذلك جاء نتيجة ضغوط من الرئيس ريتشارد نيكسون لتعزيز فرص إعادة انتخابه، مما ساهم في موجة التضخم المرتفع منتصف السبعينيات.
ومثال أحدث يأتي من تركيا، حيث ضغط الرئيس رجب طيب أردوغان على البنك المركزي لخفض الفائدة في أوائل العقد 2020، وكانت النتيجة تضخمًا مرتفعًا للغاية، تلاه رفع كبير للفائدة لمحاولة السيطرة عليه.
ترامب قد لا يحب النتائج
إذا تمكن ترامب من تعيين رئيس للفيدرالي يوافقه الرأي، وأعضاء مجلس آخرين، وتم بالفعل خفض الفائدة إلى 1%، فإن التضخم المتوقع — ثم الفعلي — سيرتفع.
وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل.
وإذا حصل ترامب على ما يريد، فقد يواجه الناخبون الأمريكيون أزمة تكلفة معيشة أكبر مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر. وقد يعقب ذلك ركود اقتصادي، إذ سيتعين رفع الفائدة بشكل كبير لإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات