يشهد الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة حالة من التذبذب الواضح، حيث تتداخل عوامل التضخم، السياسات النقدية في البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية لتشكل لوحة معقدة من التحديات والفرص وسط تحديات أخرى تتمثل في السياسات العامة لإدارة ترامب وغيرها من العوامل المتوافرة في المشهد السياسي في الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات المالية الكبرى مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط ترقب الأسواق والمستثمرين لما ستؤول إليه القرارات التي تصدرها البنوك المركزية الرئيسية هذا الأسبوع، والتي تأتي بعد أيام من قرار الفيدرالي خفض الفائدة في اجتماع ديسمبر الجاري.
فمنذ بداية عام 2025، تتزايد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصادات المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو. ورغم أن معدلات التضخم بدأت تتراجع تدريجيًا مقارنة بذروة عام 2023، إلا أن مستويات الأسعار ما زالت مرتفعة نسبيًا، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معضلة مزدوجة: كيف يمكن السيطرة على التضخم دون دفع الاقتصاد نحو ركود عميق؟
السياسة النقدية الأمريكية: بين التيسير والحذر
في الولايات المتحدة، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي خطوات واضحة نحو التيسير النقدي، حيث أعلن عن برامج لشراء سندات الخزانة قصيرة الأجل بقيمة 40 مليار دولار شهريًا، بهدف تعزيز السيولة في الأسواق ودعم النمو.
جاءت هذه الخطوة بعد بيانات اقتصادية أظهرت ضعف سوق العمل، حيث ارتفع معدل البطالة إلى 4.6% وهو أعلى مستوى في أربع سنوات، فيما تباطأ نمو الأجور إلى أدنى وتيرة منذ عام 2020.
ويضع هذا التوجه الدولار الأمريكي تحت ضغوط إضافية، ويعزز من جاذبية الذهب والفضة كملاذ آمن.
أوروبا: نهاية دورة خفض الفائدة
على الجانب الآخر، يبدو أن البنك المركزي الأوروبي قد أنهى دورة خفض الفائدة، حيث تشير عقود المبادلة إلى أن الأسواق لا تتوقع أي خفض جديد في الاجتماع المقبل.
ويعكس هذا الموقف قناعة بأن التضخم في منطقة اليورو قد استقر نسبيًا، وأن المزيد من التيسير قد يضر بالاستقرار المالي.
ومع ذلك، فإن البيانات الاقتصادية في أوروبا لا تزال مثيرة للقلق. فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لشهر ديسمبر إلى 49.2، وهو أدنى مستوى في ثمانية أشهر، ما يعكس استمرار الانكماش قطاع التصنيع.
في المقابل، جاءت بيانات ألمانيا أكثر إيجابية، حيث ارتفع مؤشر توقعات النمو الاقتصادي في مسح ZEW إلى 45.8 نقطة، وهو أعلى مستوى في خمسة أشهر، ما يشير إلى تحسن الثقة في أكبر اقتصاد أوروبي.
اليابان: نحو رفع الفائدة لأول مرة منذ سنوات
في اليابان، يترقب المستثمرون اجتماع بنك اليابان المقرر يوم الجمعة، وسط توقعات قوية برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. ومن المتوقع أن هذه الخطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات طويلة، وتعكس رغبة البنك في مواجهة الضغوط التضخمية وتحقيق توازن أكبر في أسواق المال.
البيانات الأخيرة أظهرت أن مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لشهر ديسمبر ارتفع إلى 49.7 نقطة، وهو أعلى مستوى في ستة أشهر، مما يعزز من احتمالات اتخاذ قرار برفع الفائدة.
ودفعت هذه التوقعات الين الياباني إلى أعلى مستوى له في أسبوع مقابل الدولار وسط ضغوط إضافية على العملة الأمريكية.
المعادن النفيسة بين الدعم والضغوط
شهدت أسعار الذهب والفضة تباينًا في الفترة الأخيرة، حيث استفادت من ضعف الدولار والسياسات التيسيرية للفيدرالي، لكنها واجهت ضغوطًا من توقعات رفع الفائدة في اليابان وضعف الطلب الصناعي في أوروبا.
وتلقى الذهب دعمًا قويًا من البنوك المركزية، خاصة بنك الشعب الصيني الذي رفع احتياطياته بمقدار 30 ألف أونصة في نوفمبر لتصل إلى 74.1 مليون أونصة، وهي الزيادة للشهر الثالث عشر على التوالي.
كما أظهر تقرير مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية العالمية اشترت 220 طن من الذهب في الربع الثالث، بزيادة 28% عن الربع السابق.
أما الفضة، فقد تلقت دعمًا من المخاوف بشأن نقص المخزونات في الصين، حيث تراجعت مخزونات بورصة شنغهاي إلى أدنى مستوى في عشر سنوات.
ورغم الضغوط الناتجة عن عمليات جني الأرباح، شهدت الفضة عودة قوية للطلب الاستثماري، حيث ارتفعت الحيازات الطويلة في صناديق المؤشرات إلى أعلى مستوى لها في نحو ثلاث سنوات ونصف السنة.
أسواق المال: حالة من الحذر والترقب
تعكس حركة السعر في الأسواق العالمية حالة من الحذر، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية بشكل متزامن، مدفوعة بضعف البيانات الاقتصادية وتراجع أسعار النفط. في الولايات المتحدة، انخفض مؤشر ستاندردز آند بورس500 بنسبة 0.2% فيما تراجع مؤشر داو جونز بنسبة 0.2% بينما سجل مؤشر نيكاي الياباني أدنى مستوى له في أسبوعين.
وتعكس هذه التراجعات مخاوف المستثمرين من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة تباطؤ ممتد، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط وفنزويلا، والتي تزيد من حالة انعدام اليقين في الأسواق.
فرص وتحديات
يمكن القول إن الاقتصاد العالمي يقف اليوم عند مفترق طرق، حيث تتداخل السياسات النقدية المتباينة للبنوك المركزية الكبرى مع الضغوط التضخمية والبيانات الاقتصادية المتذبذبة لتشكل صورة معقدة.
ففي الولايات المتحدة، يتجه الفيدرالي نحو مزيد من التيسير، بينما يبدو أن أوروبا أنهت دورة خفض الفائدة، في حين تستعد اليابان لرفع الفائدة لأول مرة منذ سنوات.
هذه التباينات تخلق فرصًا وتحديات في آن واحد، حيث يستفيد الذهب والفضة من ضعف الدولار والسياسات التيسيرية، بينما تواجه الأسهم ضغوطًا من ضعف البيانات الاقتصادية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المستثمرون في حالة ترقب دائم، بانتظار ما ستكشفه الأشهر المقبلة من قرارات وسياسات قد تحدد مسار الاقتصاد العالمي للسنوات القادمة.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات