نور تريندز / التقارير الاقتصادية / هل تنجح الصين في اقتناص ريادة تكرير النفط من الولايات المتحدة؟
ارتفاع احتمالات فوز بايدن يدفع بالنفط إلى الهوية
بايدن، أسعار النفط

هل تنجح الصين في اقتناص ريادة تكرير النفط من الولايات المتحدة؟

أغلقت “رويال داتش شل” مصفاة تكرير النفط الخاصة بها، مطلع هذا الشهر في كونفنت بولاية لويزيانا، وعلى عكس الكثير من المصافي التي تم إغلاقها في السنوات الأخيرة، لم تكن كونفنت قديمة على الإطلاق، وكانت كبيرة إلى حد ما وفقاً للمعايير الأمريكية، ومتطورة بما يكفي لتحويل كمية كبيرة من النفط الخام إلى وقود عالي الجودة. إلا أنَّ “شل”، وهي ثالث أضخم شركة نفط في العالم، أرادت أن تقلل طاقة التكرير بشكلٍ كبير بسبب عدم وجود من يشتري منتجاتها.

وفي حين وجد عمَّال مصفاة كونفنت الــ700 أنفسهم بدون عمل، كان نظراؤهم في الضفة المقابلة من المحيط الهادئ يفتتحون وحدة جديدة تابعة لشركة “رونغ شنغ للبتروكيماويات” في مجمع “تشجيانغ” العملاق شمال شرق الصين. وهو مشروع واحد فقط من بين أربعة أخرى على الأقل قيد التنفيذ في البلاد، ويبلغ إجمالي طاقة معالجة النفط الخام فيها 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما ما يعادل قدرة التكرير الإجمالية للمملكة المتحدة.

وقد عجَّل فيروس كورونا بالتحوُّل الزلزالي في صناعة التكرير العالمية، في حين يتزايد الطلب على البلاستيك والوقود في الصين وبقية آسيا، إذ يتعافى الاقتصاد بسرعة من الجائحة. وفي المقابل، تُعاني معامل التكرير في الولايات المتحدة وأوروبا أزمة اقتصادية أكبر، في وقتٍ يُضعف الانتقال من الوقود الأحفوري التوقعات طويلة الأجل للطلب على النفط.


لقد كانت أمريكا في صدارة مجال التكرير منذ بداية عصر النفط في منتصف القرن التاسع عشر، لكن وفقاً لما ذكرته الوكالة الدولية للطاقة، ستطيح الصين بالولايات المتحدة في بداية السنة المقبلة. مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، كانت تملك 35 ضعفاً من قدرة الصين على التكرير في عام 1967، وهو العام الذي تمَّ فيه افتتاح مصفاة كونفنت.

إنَّ نهوض صناعة التكرير في الصين، إلى جانب العديد من المصافي الجديدة الكبيرة في الهند والشرق الأوسط، يتردد صداها عبر سوق الطاقة العالمي. إذ يبيع المُصدِّرون المزيد من النفط الخام لآسيا، والقليل إلى العملاء القدامى في شمال أمريكا وأوروبا. وبينما يزيدون من قدرتهم الإنتاجية، تتحول شركات التكرير الصينية إلى قوة متنامية في الأسواق الدولية للبنزين والديزل والأنواع الأخرى من الوقود. ويزيد ذلك من الضغوط أيضاً على المصافي في أقسام أخرى من آسيا، فقد أعلنت “شل” على سبيل المثال، هذا الشهر أيضاً، أنها ستخفض قدرتها إلى النصف في معمل التكرير الخاص بها في سنغافورة.

وتتزامن هذه التطورات مع سيطرة الصين المتنامية على صناعة الفولاذ العالمية في العقد الأول من هذا القرن، عندما بنت مجموعة من المصاهر الضخمة والحديثة. إنَّ هذه المصانع المصممة لتلبية تزايد الطلب المحلي، جعلت من الصين قوة في سوق التصدير أيضاً، مما شكّل ضغطاً على المنتجين أصحاب التكلفة الأعلى في أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأجزاء أخرى من آسيا، وأجبرهم على إغلاق المصانع القديمة غير الفعالة.

ويقول “ستيف سوير”، مدير التكرير في الشركة الاستشارية الخاصة بالصناعة “فاكتس غلوبل انرجي”: “ستكرر الصين مليون برميل نفط جديد في اليوم، أو

ربما المزيد، في السنوات القليلة المقبلة. وستطيح بذلك بالولايات المتحدة كأكبر مُكرِّر للنفط، ربما خلال العام، أو خلال العامين المقبلين”.

على الرغم من أنَّ القدرة ستزيد في الصين والهند والشرق الأوسط، فقد يستغرق الطلب على النفط سنواتٍ، ليتعافى بشكلٍ كامل من الضرر الذي ألحقه فيروس كورونا. وسيؤدي ذلك إلى إبقاء بضعة ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير الإضافية خارج نطاق الأعمال، بالإضافة إلى 1.7 مليون برميل يومياً من طاقة المعالجة التي توقَّفت بالفعل هذا العام. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، فقد شهدت الولايات المتحدة أكثر من نصف عمليات الإغلاق هذه.

ويقول “هيدي غراتي”، رئيس بحوث التكرير في أوروبا ورابطة الدول المستقلة في “أي إتش أس ماركيت”، إنَّ حوالي ثلثي شركات التكرير الأوروبية، لا تجني ما يكفي من المال لتغطية تكاليفها. وتحتاج أوروبا لتقليل طاقة المعالجة لديها بمقدار 1.7 مليون برميل يومياً خلال خمس سنوات. في حين يتوقع “سوير” حذف مليوني برميل من طاقة التكرير خلال العام المقبل. مضيفاً: “ستحدث المزيد من الإغلاقات”.

وقد تضاعفت طاقة تكرير الصين ثلاث مرات تقريباً منذ بداية الألفية الثانية، إذ كانت تحاول مجاراة النمو السريع لاستهلاك الديزل والبنزين. وبحسب “معهد أبحاث الاقتصاد والتكنولوجيا”، التابع لشركة البترول الوطنية الصينية، فمن المتوقع أن تزيد قدرة البلد على معالجة النفط بحلول 2025 إلى مليار طن في السنة، أي 20 مليون برميل، من 17.5 مليون برميل حالياً.

وستزيد الهند أيضاً من قدرة المعالجة الخاصة بها بأكثر من النصف إلى 8 مليون برميل يومياً مع حلول 2025، ويدرج ضمن ذلك مشروع عملاق جديد بطاقة 1.2 مليون برميل في اليوم.

ويساهم المنتجون في الشرق الأوسط في زيادة الطاقة التكريرية أيضاً، إذ يبنون مشروعين جديدين، يبلغ مجموع طاقتهما أكثر من مليون برميل يومياً، ومن المقرر أن يبدأ تشغيلهما العام المقبل.


إنَّ الطلب المتزايد على البتروكيماويات المستخدمة لصناعة المواد البلاستيكية من بين الدوافع الرئيسية للمشاريع الجديدة، ووفقاً للشركة الاستشارية “وود ماكينزي”؛فإن نصف طاقة تكرير النفط قيد الزيادة بين العامين 2019 و2027، ستكون في آسيا، في حين ستتركز نسبة 70% إلى 80% منها على المواد البلاستيكية.

إنَّ شعبية مصافي التكرير المتكاملة في آسيا، تقودها معدلات النمو الاقتصادي السريع نسبياً بالمقارنة مع باقي مناطق العالم، بالإضافة إلى أنها مستورد “صافٍ” للمواد البتروكيماوية الأولية، مثل النفتا والإيثيلين والبروبيلين، وللغاز المسال المستخدم في صناعة البلاستيك. وتعد الولايات المتحدة مُصدِّراً مهماً للنفتا، وغاز البترول المسال إلى آسيا.

إنَّ هذه المصافي الجديدة الكبيرة والمتكاملة في آسيا، تجعل “الحياة أصعب” للمنافسين الأصغر الذين يفتقرون إلى الحجم والمرونة للتبديل بين أنواع الوقود، وإلى القدرة على معالجة الخامات الأقل تكلفة، والأكثر تلويثاً.

وفي حين يُقدِّر “آلان جيلدر”، نائب رئيس أسواق التكرير والنفط في “وود ماكينزي”، الزيادة في طاقة التكرير العالمية بحوالي 3 ملايين برميل يومياً”، فإن مصانع التكرير التي يتم إغلاقها، برأيه، تميل لأن تكون إلى حدِّ ما صغيرة، وغير متطورة، وهي منشأة عادةً في ستينيات القرن الماضي. وسيحتاجون إلى تصدير المزيد من المنتجات إلى الأسواق الخارجية، كي يتمكن الباقي منهم من المضي قدماً؛ لاسيما مع انخفاض الطلب الإقليمي. لكن للأسف هم ليسوا منافسين للغاية، مما يعني أنه من المحتمل أن يغلقوا.


يمضي استهلاك النفط العالمي في طريقه للانخفاض بمعدل غير مسبوقٍ قدره 8.8 مليون برميل يومياً هذا العام، ليصل إلى 91.3 مليون برميل يومياً، وذلك وفقاً للوكالة الدولية للطاقة، التي تتوقع أن يتعافى أقل من ثلثي هذا الطلب المفقود العام المقبل.

وكان من المقرر أن تغلق بعض مصافي التكرير حتى قبل ظهور جائحة كورونا، لأنَّ قدرة تكرير النفط الخام العالمية البالغة حوالي 102 مليون برميل في اليوم، قد فاقت بكثير الطلب البالغ 84 مليون برميل من المنتجات المكررة في عام 2019، بحسب الوكالة الدولية للطاقة. كما دفع تراجع الطلب الناتج عن كوفيد-19 العديد من مصانع التكرير إلى حافة الهاوية.

ويعدُّ “روب سميث”، المدير في “أي أتش أس ماركيت”، أنَّ “ما كان متوقعاً أن يكون تعديلاً طويلاً وبطيئاً، أصبح صدمة مفاجئة”.

ومما يزيد من معاناة المصافي في الولايات المتحدة الأنظمة التي تدفع باتجاه استخدام الوقود الحيوي، فقد حفز ذلك بعض المصافي على إعادة هيكلة مصانعها لإنتاج الوقود الحيوي.

وقد تكون الصين متسرعة في هذا المجال، إذ تفوق الإضافات في الطاقة التكريرية نمو الطلب. ووفقاً لمؤسسة البترول الوطنية الصينية، فقد يصل العرض المفرط من المنتجات النفطية في البلاد إلى 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2025. وبالرغم من أنه بالتزامن مع اكتمال إنشاء المصافي الجديدة؛ يُتوقع أن يصل نمو الطلب في الصين إلى ذروته بحلول عام 2025، إلاّ أنَّه مرشّح للعودة إلى التباطؤ مع بدء انتقالها على المجدى الطويل نحو “الحياد الكربوني”.

يقول “ستيف سوير”: “في عالمٍ يملك ما يكفي من الطاقة التكريرية، إذا بنيت المزيد من مصافي النفط في جزء ما من هذا العالم، عليك أن تغلق مصافٍ أخرى في جزء آخر منه، للمحافظة على التوازن. هذه هي بيئة الأعمال التي تحكم عالم تكرير النفط الآن، ومن المحتمل أن نستمر فيها للسنوات الـ45 المقبلة على الأقل”.

تحقق أيضا

هل ستنجح الولايات المتحدة في تجنب لعنة ركود سوق التوظيف السابق؟

هل ستنجح الولايات المتحدة في تجنب لعنة ركود سوق التوظيف السابق؟

إنها توقعات جريئة يقول البعض إنها حدود على الخيال: يرى مسؤولو البنوك في وول ستريت …