أبدت الأسواق العالمية مرونة لافتة أمام سيل من الأخبار الجيوسياسية والسياسية المثيرة، من التهديدات المتكررة لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي إلى المبادرات السكنية في الولايات المتحدة، مرورًا بالتوترات مع إيران وتقلبات أسعار الطاقة. وسط كل هذا الضجيج، أثبتت عوامل التحليل الأساسي أنها القائدة الفعلية لتحركات الأسواق وأداء الأصول الرئيسية.
استقرار مدعوم بأسس اقتصادية قوية
ساعدت عدة عوامل في استقرار الأسواق، منها انخفاض أسعار الطاقة، اعتدال التضخم، استمرار النمو الاقتصادي، واتساع نطاق أرباح الشركات. ورصد الخبراء خلال الأسبوع الماضي زخماً اقتصادياً مستداماً مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي، سوق عمل مستقر، ودفعة مرتقبة من المستردات الضريبية تتراوح بين 100 و150 مليار دولار.

استقرار أسعار الطاقة رغم التوترات الجيوسياسية
المصدر: بلومبرج
وعلى مستوى الأسهم، شهدت الأسواق تحوّلاً ملحوظاً: لم تعد رهينة لأسهم التكنولوجيا الكبرى فقط، بل اتسع التداول ليشمل الشركات ذات القيمة، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والأسواق الدولية، ما يعكس ثقة المستثمرين في صمود الاقتصاد.
عاصفة العناوين في مطلع 2026
رغم الصخب الإعلامي، لم تهتز الأسواق إلا بشكل طفيف، ومن أبرز الأخبار التي أثارت الانتباه خلال الأسبوعين الأولين من العام الجديد:
اعتقال الولايات المتحدة للزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو.
تصاعد الاحتجاجات في إيران مع حملات قمع وعقوبات جديدة.
تلميحات أمريكية حول إمكانية استحواذ واشنطن على “جرينلاند”.
فتح تحقيق جنائي مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.
مقترحات للحد من شراء المنازل من قبل المستثمرين المؤسسيين، وتحفيز سوق الرهن العقاري.
اقتراح سقف فوائد للبطاقات الائتمانية بنسبة 10% لمدة عام.
الركائز الأربعة لصمود الأسواق
يرى الخبراء أن التركيز على الأساسيات الاقتصادية هو السبيل الأمثل للمستثمرين، إذ تمثل هذه الركائز القوة الدافعة الأكثر استدامة للأسواق في 2026:
أولا- استقرار أسعار الطاقة حول معدلاتها وصمود الأسواق أمام الصدمات الجيوسياسية: تاريخياً، تؤثر الأحداث الجيوسياسية على الأسواق بشكل عابر، وتمر غالباً عبر تقلبات أسعار الطاقة. وبالرغم من ارت طفيف للخام، استقرت أسعار النفط عند مستويات منخفضة، ما يعزز القوة الشرائية للمستهلكين.
ثانيا- اعتدال التضخم ومنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة للمناورة
كشفت بيانات ديسمبر استقرار التضخم عند 2.7% للمؤشر العام و2.6% للمؤشر الأساسي، ما يشير إلى أن السياسة النقدية ستظل موجهة بالبيانات الاقتصادية، بعيداً عن الضغوط السياسية.

استقرار التضخم يحافظ على توجه الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة
المصدر: بلومبرج
ثالثا- النمو الاقتصادي المستمر: أنهى الاقتصاد الأمريكي العام 2025 بقوة، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 4% في الربع الثالث، ويتوقع استمرار هذا الزخم في 2026 مدعوماً باستردادات ضريبية ضخمة تدفع الإنفاق الاستهلاكي.
رابعا – طفرة الأرباح واتساع نطاقها: يستعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لتحقيق نمو أرباح للربع العاشر على التوالي، مع ارتفاع الإنتاجية وتحسن الربحية دون زيادة كبيرة في القوى العاملة، بدعم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تدوير المحافظ واستمرار الثقة
شهد مطلع العام تسارعاً في تدوير المحافظ نحو القطاعات الدورية والشركات المتوسطة والصغيرة، ما يعكس ثقة في تعافي الاقتصاد الشامل وليس مجرد قطاع التكنولوجيا.
يرجح الخبراء أن السوق الصاعد مرشح للاستمرار طالما صمد الاقتصاد، وأن المستثمر الذكي هو من يفرق بين الضجيج الإعلامي والتطورات الحقيقية التي تؤثر على المسار الاقتصادي.
ترامب في ديفوس
مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تتجه الأنظار إلى مسار الاقتصاد العالمي ومستقبل التجارة الدولية. يتوقع المراقبون أن حضور ترامب سيهيمن على النقاشات، خاصة مع سياساته المثيرة للجدل ونهجه التصادمي الذي يركز على المصالح الأمريكية، مما يجعل اجتماع هذا العام أقل ميلاً للتوافق وأكثر تركيزاً على إدارة التحديات والانقسامات في الاقتصاد العالمي.
يشير الخبراء إلى أن التوترات الحالية حول إعادة رسم العلاقات التجارية، والابتعاد عن الاتفاقات متعددة الأطراف، والضغط الأحادي على مناطق استراتيجية، قد تؤثر على سلاسل الإمداد وتدفقات الاستثمار وفرص النمو المستدام، وهو ما سيكون محور المناقشات خلال الأيام الخمسة للمنتدى.
الاقتصاد العالمي يثبت صموده… لكن المخاطر قائمة
على الرغم من التحديات، يظهر الاقتصاد العالمي مرونة نسبية مدعومة بالاستثمارات القوية في التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً الذكاء الاصطناعي، الذي ساهم في الحفاظ على النمو في الاقتصادات الكبرى. ومع ذلك، فإن التوسع المتوقع بنسبة 3% لعام 2026 يعتبر ضعيفاً نسبياً، خصوصاً مع مستويات الدين العام والخاص المرتفعة تاريخياً والتي تقلص القدرة المالية للعديد من الدول.
ديون مرتفعة وحماية تجارية… صراع جيواقتصادي محتدم
تتصدر مخاوف الديون، خاصة في الاقتصادات الناشئة، جدول الأعمال في دافوس، إلى جانب استمرار سياسات الحماية التجارية من تعريفات ورسوم على الاستثمار الأجنبي والمعادن الاستراتيجية، ما يضغط على التجارة العالمية. ويبرز التنافس الاقتصادي بين الدول كأحد أكبر المخاطر، مع مخاوف من أن تتحول النزاعات السياسية إلى حواجز اقتصادية طويلة الأجل تقلل الإنتاجية وتزيد الانقسام في الأسواق.
الذكاء الاصطناعي: فرصة للنمو أو مصدر اضطراب اجتماعي؟
سيظل الذكاء الاصطناعي محور النقاشات، باعتباره محركاً للنمو الاقتصادي ومستقطباً للتحديات الاجتماعية. ضخ الاستثمارات في صناعات الذكاء الاصطناعي رفع توقعات الإنتاجية، لكنه يثير القلق حول فقدان الوظائف وتفاقم التفاوت الاقتصادي، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة. ويتوقع أن تشهد دافوس دعوات لإعادة تأهيل العمالة ووضع أطر تنظيمية واضحة لتحقيق توازن بين الابتكار والاستقرار الاجتماعي.
المعادن الثمينة والطاقة: استقرار مع توترات
الذهب: شهد الذهب تصحيحاً طفيفاً بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية، ليغلق قرب 4,596 دولار للأونصة. إلا أن الطلب على الذهب كملاذ آمن لم يتراجع، مدعوماً بمخاوف التضخم وتقلبات الأسواق والاضطرابات الجيوسياسية، مما يعكس استمرار جاذبية المعدن كاستثمار استراتيجي بعيد المدى.
النفط: أغلق خام برنت عند 64.09 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس عند 59.30 دولار، بدعم من المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط والتحوط قبل عطلة أمريكية. وعلى الرغم من المكاسب المحدودة، فإن الأسعار ظلت قريبة من مستوياتها العالية، مع توقعات باستمرار التداول في نطاق محدود ما لم تحدث صدمات كبيرة في الإمداد أو الطلب.
سباق قيادة الاحتياطي الفيدرالي يزداد تعقيداً
أثار ترامب حالة من الغموض بشأن تعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل بعد تلميحه إلى عدم رغبته في نقل كيفن هاسيت من مجلس السياسة الاقتصادية في البيت الأبيض إلى البنك المركزي. هذا التحفظ أعاد ترتيب الأوراق في سباق القيادة، وفتح المجال أمام مرشحين آخرين مثل كيفن وارش، وسط مراقبة الأسواق عن كثب لما سيكون له أثر كبير على السياسة النقدية والثقة في الاقتصاد الأمريكي.
الأسواق المالية بين التحوط والتفاؤل الحذر
مع صدور نتائج أرباح البنوك وظهور إشارات مختلطة، اتسمت الأسواق الأمريكية بالتقلب الحذر. الأسهم الصغيرة والمتوسطة وقطاعات القيمة أظهرت زخمًا أفضل من التكنولوجيا الكبرى، بينما كانت مؤشرات داو جونز وستاندرد آند بورز شبه مستقرة. يشير المحللون إلى أن الأسواق تحاول استيعاب الضغوط المالية، المستويات المرتفعة للديون، والمخاطر الجيوسياسية، في حين تظل الثقة بالمستهلك الأمريكي قوية نسبياً.
الثقة في الأساسيات تتفوق على الضجيج
بين الحروب الكلامية، التوترات الجيوسياسية، والتحركات السياسية الأمريكية المثيرة للجدل، تثبت الأسواق مرونتها بفضل أسس اقتصادية قوية: استقرار النمو، واعتدال التضخم، وإنتاجية الشركات، والطلب على المعادن والطاقة.
الأسبوع المقبل
شمل البيانات الاقتصادية الهامة للأسبوع المقبل بيانات تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وبيانات مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادرة عن مؤسسة إس آند بي جلوبال.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات