نور تريندز / مستجدات أسواق / أسواق الأسهم العالمية / يلتقط أنفاسه: ماذا تعني بيانات التضخم الأمريكية للفيدرالي والدولار والاقتصاد

يلتقط أنفاسه: ماذا تعني بيانات التضخم الأمريكية للفيدرالي والدولار والاقتصاد


قراءة واضحة بعد شهور من الضبابية


بعد شهور من الارتباك الذي سببه توقف عمل الحكومة الأمريكية العام الماضي، جاءت أحدث قراءات التضخم لتمنح الأسواق وضوحًا طال انتظاره. وأكدت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر ديسمبر، إلى جانب بيانات مؤشر أسعار المنتجين لشهر نوفمبر، أن التضخم في الاقتصاد الأمريكي يستقر عند مستويات مرتفعة نسبيًا مع بداية عام 2026، من دون أن يظهر إشارات على عودة التسارع.
ولم تُشعل هذه الأرقام مخاوف جديدة في الأسواق، كما لم تمنح صناع السياسة النقدية مبررا للتعجل في خفض أسعار الفائدة. وأرسلت البيانات رسالة مباشرة مفادها أن مسار التباطؤ قائم، لكنه لا يزال هشا.


أسعار المستهلكين تتباطأ دون بلوغ منطقة الأمان


سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعا محدودا خلال ديسمبر، وجاء متماشيا مع التوقعات، ليستقر المعدل السنوي دون مستوى 3%. وحافظ التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، على أدنى مستوياته منذ سنوات، ما أكد انحسار الضغوط السعرية التي بلغت ذروتها في مطلع عام 2025.


لكن تفاصيل التقرير أعادت تسليط الضوء على مواطن القلق. واصلت تكاليف السكن ارتفاعها بوتيرة تفوق باقي المكونات، ما أبقى التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وارتفعت أسعار الغذاء، في حين ساهم تراجع أسعار الطاقة، ولا سيما البنزين، في تخفيف الضغط على المؤشر العام. وفي المقابل، واصلت أسعار السيارات المستعملة انخفاضها، مؤكدة استمرار مسار التهدئة في قطاع السلع.


وتعكس هذه الصورة تضخما أكثر استقرارًا، لكنه لا يزال عنيدًا.


أسعار المنتجين تنفي وجود موجة تضخمية وشيكة


على مستوى المنتجين، أظهرت البيانات ضغوطًا محدودة عند مستويات الجملة. وسجل مؤشر أسعار المنتجين ارتفاعًا طفيفًا، ما عكس احتواء التكاليف في المراحل الأولى من سلاسل الإمداد. ورغم إدراج بيانات مؤجلة نتيجة الإغلاق الحكومي السابق، لم تكشف الأرقام عن أي قفزة سعرية من شأنها أن تنتقل سريعًا إلى المستهلكين.
وغالبًا ما تسبق تحركات أسعار المنتجين اتجاهات التضخم الاستهلاكي، وهو ما يجعل هذه القراءة الهادئة عنصر طمأنة إضافيًا للأسواق.


الأسواق تتفاعل بهدوء محسوب

استقبلت الأسواق المالية البيانات بهدوء واضح. ودعمت القراءة المستقرة أداء الأسهم، في ظل تراجع احتمالات تشديد نقدي جديد. واستقرت عوائد السندات الأمريكية أو تراجعت بشكل طفيف، ما عكس انحسار المخاوف من مفاجآت تضخمية غير متوقعة.
وفي المقابل، مال الدولار الأمريكي إلى الضعف المحدود، بعدما غابت المحفزات التي قد تدعم سيناريو الفائدة المرتفعة لفترة أطول. وحافظت أصول التحوط، وفي مقدمتها الذهب، على مستوياتها المدعومة، مستفيدة من استمرار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي.


ماذا تعني البيانات للاحتياطي الفيدرالي؟

عززت هذه القراءات نهج الترقب والحذر داخل الاحتياطي الفيدرالي. فالتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، لا سيما في قطاعي الخدمات والسكن، ما يحد من قدرة البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة بسرعة. وفي الوقت نفسه، يمنح غياب أي تسارع جديد صناع القرار مساحة لتجنب تشديد إضافي.

ويرجح أن يُبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول، مع إمكانية اللجوء إلى خفض تدريجي لاحقًا خلال عام 2026، إذا واصل التضخم التراجع وبدأ سوق العمل في إظهار علامات تهدئة.


الدولار والاقتصاد الأمريكي الأوسع

تبدو آفاق الدولار الأمريكي محايدة إلى مائلة للضعف، في ظل استقرار التضخم وتراجع جاذبية العوائد مع ترقب خفض الفائدة في مراحل لاحقة. ويحد هذا المشهد من فرص تحقيق العملة الأمريكية مكاسب قوية في المدى القريب.

أما الاقتصاد الأمريكي ككل، فتدعم البيانات سيناريو “الهبوط الناعم”. ويواصل النمو مساره دون سخونة مفرطة، بينما تبقى الضغوط على المستهلكين قائمة لكنها تحت السيطرة. ولم يعد التضخم يمثل تهديدًا انفجاريًا، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بالسياسات التجارية وتكاليف السكن.

مقارنة عبر الأطلسي: أوروبا تتقدم بخطوة

بالمقارنة مع الولايات المتحدة، أحرزت منطقة اليورو تقدمًا أسرع في مسار كبح التضخم، بعدما عاد المؤشر العام إلى مستهدف البنك المركزي الأوروبي. ويمنح هذا التطور صناع القرار الأوروبيين مرونة أكبر، في حين لا يزال الاقتصاد الأمريكي عالقًا في نطاق تضخم أعلى نسبيًا، ما يعمّق التباين في المسارات النقدية بين ضفتي الأطلسي.


لم تُغيّر بيانات التضخم الأخيرة القصة القائمة، لكنها أكّدتها بوضوح. فالتضخم لم يعد جامحًا، لكنه يرفض الانسحاب بهدوء. ومع دخول عام 2026، لا تحكم الأسواق حالة ذعر ولا اندفاع، بل يسودها صبر وترقب وانتظار لإشارة الحسم.

تحقق أيضا

اليورو

اليورو يتراجع أمام قوة الدولار الأمريكي

تراجع زوج اليورو / دولار الثلاثاء بواقع 0.2% وسط استمرار قوة الدولار في الضغط على …