شهدت الأسواق العالمية الأسبوع الماضي ارتفاعًا ملحوظًا بعد فترة من التذبذب الحاد، إذ استجاب المستثمرون لإشارات التفاؤل بخصوص احتمال خفض التصعيد في الأزمة الإيرانية، الأمر الذي انعكس على ارتفاع الأسهم ورفع معنويات الأسواق المالية الكبرى. ومع ذلك، ظل الترقب سيد الموقف، نظرًا لعدم وضوح استراتيجية خروج واضحة من الأزمة، إضافة إلى المخاطر المستمرة على مضيق هرمز، ما أبقى أسعار النفط عند مستويات مرتفعة وزاد من تقلبات الأسواق.
شهدت الأسواق تحركات واسعة في الأسهم، والسندات، والنفط، والعملات الرقمية، في حين ظل المستثمرون يحسبون كل تصريح سياسي أو تطور عسكري بعناية. ويعكس ذلك الطبيعة الهشة للسوق الحالية، حيث يمكن لأي إشعار بالتصعيد أو التهدئة أن يحرك الأسواق بشكل كبير في غضون ساعات، مع تأثير مزدوج على معنويات المستثمرين وعلى التوقعات الاقتصادية العالمية.
انتعاش الأسهم مدفوعًا بتوقعات خفض التصعيد
بدأ أسبوع التداول السابق بتفاعل إيجابي من المستثمرين مع الإشارات التي توحي بأن الأزمة قد تدخل مرحلة التهدئة تدريجيًا، مع توقعات بانسحاب محتمل للقوات الأمريكية من بعض المناطق الساخنة خلال أسابيع قليلة. انعكس هذا التفاؤل على ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية والأوروبية، حيث سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أول مكاسبه الأسبوعية بعد خمسة أسابيع متتالية من الانخفاضات، وهو ما يعكس شعورًا جزئيًا بالارتياح في الأسواق.
إلا أن هذه المكاسب جاءت ضمن سياق حذر، فقد زادت تصريحات رسمية حول استمرار العمليات العسكرية من حالة عدم اليقين، بينما تباطأ بعض المستثمرين بسبب المخاوف من استمرار تأثير الصدمة النفطية على النمو العالمي. وفي المقابل، لاقت الأخبار عن التعاون الإيراني-العماني لمراقبة السفن العابرة للمضيق ترحيبًا حذرًا، مع ترقب قرارات محتملة بفرض رسوم أو قيود على مرور النفط، وهو ما يوضح أن التفاؤل يبقى هشًا ومتقلبًا.
تحركات المستثمرين لم تقتصر على الأسهم الأمريكية فقط، بل شملت الأسواق الأوروبية والآسيوية، حيث سجلت المؤشرات اليابانية والآسيوية ارتفاعات طفيفة عند افتتاح الجلسات، قبل أن تتراجع لاحقًا مع إعلان بيانات اقتصادية متباينة من الصين وكوريا الجنوبية، ما يوضح الترابط الوثيق بين التطورات الجيوسياسية والأداء الاقتصادي العالمي.
الأسواق النفطية: موازنة بين الصدمة والتوقعات
تظل أسعار النفط محور القلق الأكبر للأسواق العالمية، إذ يعتمد استقرار الاقتصاد على مدى استمرار اضطراب الإمدادات:
سيناريو الإغلاق طويل الأمد (3–4 أشهر): يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، نقص الإمدادات العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء. هذا قد يبطئ النمو الاقتصادي في آسيا وأوروبا، ويؤثر على الولايات المتحدة من خلال زيادة تكاليف الوقود والمواد الغذائية، وربما يدخل الاقتصاد في مرحلة ركود جزئي.
السيناريو الأقصر (3–4 أسابيع إضافية): يسمح للأسواق بالتكيف تدريجيًا، مع توقع انخفاض الأسعار إلى نطاق 70–80 دولارًا للبرميل، ما يدعم نمو الناتج المحلي الأمريكي ويخفف ضغوط التضخم.
تشير العقود الآجلة الحالية إلى أن السيناريو الأقصر هو المرجح، مع عودة متوقعة لخام غرب تكساس الوسيط إلى حوالي 71 دولارًا للبرميل بحلول نهاية العام، مما يعكس قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل. ومع ذلك، تظل أي إشارات تصعيد جديدة، سواء من إيران أو الولايات المتحدة، قادرة على قلب التوقعات فجأة ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
كما أن النفط يتأثر أيضًا بتقلبات الطلب على المدى المتوسط، خاصة مع توقعات ارتفاع استهلاك الطاقة في آسيا بسبب تعافي الإنتاج الصناعي، ما يضيف عاملًا إضافيًا للضغط على الأسعار ويجعل الأسواق أكثر حساسية لأي صدمة سياسية أو اقتصادية.
الاقتصاد الأمريكي: صمود أمام الضغوط
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة قدرة الاقتصاد الأمريكي على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية:
مبيعات التجزئة، باستثناء السيارات، ارتفعت بنسبة 0.5% على أساس شهري في فبراير، متجاوزة توقعات الأسواق، وهو ما يعكس استمرار قوة الاستهلاك الداخلي كدعامة للنمو.
النشاط الصناعي سجل توسعًا مستمرًا، مع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي عند 52.7، ما يعكس استمرارية النشاط الاقتصادي رغم الضغوط الخارجية.
خلق القطاع الخاص 62 ألف وظيفة جديدة في مارس، في حين تشير التوقعات الأولية للناتج المحلي الإجمالي إلى نمو بنسبة 1.6% في الربع الأول، بعد أداء أضعف في الربع السابق.
تعكس هذه المؤشرات قدرة الاقتصاد الأمريكي على امتصاص الصدمات قصيرة المدى، وتعطي الأسواق ثقة جزئية بأن الأزمة الجيوسياسية لن تؤدي إلى انهيار النشاط الاقتصادي. وتبرز هذه القوة في الاقتصاد الأمريكي كعامل استقرار للسوق العالمية، إذ يعتمد عليها المستثمرون في تقييم المخاطر وإدارة المحافظ الاستثمارية.
سوق العمل: بيانات إيجابية تعزز الثقة
أظهرت بيانات مكتب إحصاء العمالة الأمريكي تحسنًا ملموسًا في سوق العمل خلال مارس:
ارتفع التوظيف غير الزراعي بواقع 178,000 وظيفة، متجاوزًا التوقعات بـ60,000 وظيفة، بعد انخفاض قدره 133,000 وظيفة في الشهر السابق.
تراجع معدل البطالة إلى 4.3% مقارنة بالقراءة السابقة 4.4%.
تباطؤ نمو الأجور مع متوسط الكسب في الساعة عند 34.2 دولار، ما يشير إلى توازن نسبي بين نمو الأجور والتضخم.
تراجع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 61.9%، مقابل 62% سابقًا.
تشير هذه الأرقام إلى قوة سوق العمل وقدرة الاقتصاد على الاستمرار في النمو رغم الضغوط الخارجية، كما توفر إشارة إيجابية لاحتواء التضخم، وهو عامل رئيسي يطمئن الأسواق تجاه السياسة النقدية المستقبلية.
العملات والمعادن الثمينة: تقلبات تحت الضغط
الين الياباني: تراجع 0.4% مقابل الدولار نتيجة التصعيد العسكري وارتفاع أسعار النفط، مع ضعف تأثير رفع الفائدة المتوقع من بنك اليابان.
اليورو: تراجع 0.5% أمام الدولار بسبب قوة العملة الأمريكية وارتفاع تكاليف الطاقة في أوروبا، ما يعكس ضعف المعنويات الاستثمارية تجاه الأصول الأوروبية.
الذهب والفضة: انخفض الذهب 2.9% عند 139.4 دولار للأونصة، متأثرًا بقوة الدولار وعوائد السندات، فيما حافظ على دوره كملاذ آمن جزئيًا. الفضة سجلت تراجعًا مشابهًا، لكنها استفادت من طلب الملاذ الآمن على المدى القصير، مما يعكس استمرار الطلب على المعادن الثمينة كأدوات تحوط ضد الأزمات الجيوسياسية.
البيتكوين والعملات الرقمية: بيع واسع بعد تصاعد التوترات
شهدت أسواق العملات الرقمية تراجعًا ملحوظًا يوم الخميس، حيث انخفضت بيتكوين بنسبة 2.9% لتسجل 66,465.7 دولارًا، متأثرة بخسائر أوسع في الأصول عالية المخاطر بعد إشارات التصعيد الجديدة في الشرق الأوسط التي أثرت على معنويات المستثمرين. رغم هذا التراجع، بقيت بيتكوين محصورة ضمن نطاق تداول محدد منذ بداية العام، ما يدل على وجود دعم تقني عند مستويات 66 ألف دولار.
تراجع ثقة المستثمرين بعد تصريحات دونالد ترامب التي أكد فيها أن الولايات المتحدة ستكثف العمليات العسكرية ضد إيران خلال الأسبوعين إلى الثلاثة المقبلة، مع تحذير إيران من قبول أي اتفاق أو مواجهة ضربات على بنيتها التحتية للطاقة، ما عزز حالة عدم اليقين.
أدى هذا التصعيد إلى بيع واسع للأصول عالية المخاطر، شمل الأسهم الآسيوية والعقود الأمريكية المستقبلية، بينما أظهرت صناديق بيتكوين المتداولة ETF تدفقات إيجابية بلغت نحو 1.2 مليار دولار في مارس، بعد أربعة أشهر من التدفقات السالبة، لكنها لم تكن كافية لموازنة الضغوط على السوق.
في الأسواق الأوسع، سجلت الإيثيريوم انخفاضًا 4.7% إلى 2,049.22 دولارًا، وXRP تراجع 3.6% إلى 1.3139 دولار، بينما سجلت عملات سولانا وكاردانو وBNB تراجعًا بين 4% و7%. بين العملات الميمية، انخفض دوجكوين 4.6%، و$TRUMP 5.6%.
تعكس هذه التحركات حساسية أسواق العملات المشفرة للتطورات الجيوسياسية والتوجهات الاقتصادية الكلية، مع توقع استمرار ارتفاع التقلبات ما لم تهدأ التوترات أو تظهر اتجاهات سياسية أو اقتصادية أكثر وضوحًا.
الشركات الكبرى: إنفيديا وأمازون
إنفيديا: حافظت الشركة على صلابتها عالميًا رغم انخفاض حصتها في سوق الشرائح الذكية بالصين، حيث يتزايد المنافسون المحليون مثل هواوي وCambricon، مع توقعات بمبيعات فصلية تبلغ 78 مليار دولار.
أمازون: تعمل على توسيع نفوذها في الفضاء والذكاء الاصطناعي، مع مشاريع مثل الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “كويبر” ومبادرات الذكاء الاصطناعي، لتعزيز موقعها الاستراتيجي طويل الأمد عالميًا.
وتعكس هذه الشركات الكبرى قدرة القطاع الخاص على التكيف مع تقلبات الأسواق، سواء من الناحية التكنولوجية أو الاستراتيجية، مما يضيف عنصراً من الاستقرار النسبي للأسواق العالمية رغم الضغوط الخارجية.
أوبك+: مواجهة تحديات الإمدادات
عقد تحالف أوبك+ اجتماعه، الأحد، وسط تصاعد التوترات، ووافق على زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا خلال مايو، في محاولة لضمان استقرار الأسواق، مع التركيز على التكيف مع الطلب العالمي ومواجهة أي صدمة محتملة بسبب الإغلاق في مضيق هرمز.
تشير التحليلات إلى أن قرارات أوبك+ تهدف أيضًا إلى إرسال إشارات طمأنة للمستثمرين، تفيد بأن المنظمة لن تسمح لأي صدمة قصيرة الأجل بزعزعة استقرار الأسواق، مما يساعد على تخفيف التوتر النفسي للمستثمرين والمتداولين في قطاع الطاقة.
النظرة المستقبلية: أسبوع متقلب ينتظر الأسواق
مع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية لإيران، وترقب محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وصدور قراءات التضخم الأمريكية والصينية، ستبقى الأسواق تحت ضغط متشابك بين التطورات الجيوسياسية وقرارات البنوك المركزية وأسعار الطاقة والعملات الرقمية.
التحدي الأكبر هو مدى قدرة الأسواق على امتصاص صدمات النفط والتوترات العسكرية، بينما تظل العملات الرقمية تحت تأثير مباشر لأي تصعيد محتمل، في حين يراقب المستثمرون عن كثب كل إشارات تهدئة قد تتيح انتعاشًا مستدامًا للأسواق.
في الوقت نفسه، يتوقع أن تشهد الأسواق العالمية موجات متقلبة قصيرة المدى، مع ارتفاع حجم التداول وتزايد النشاط في القطاعات الدفاعية والطاقة والتكنولوجيا، في حين ستظل الأسواق المالية التقليدية والرقمية تحت مراقبة دقيقة من المستثمرين وصناديق التحوط، مما يعكس حالة الحذر الشديد التي تسيطر على البيئة الاستثمارية حاليًا.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات