أعاد حكم قضائي حاسم تشكيل ملامح السياسة التجارية في الولايات المتحدة، وفتح بابًا جديدًا من عدم اليقين في الأسواق، بينما ثبّت حقيقة يصعب تجاهلها: الرسوم الجمركية تحوّلت إلى ركيزة ثابتة في الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية. هذه الإجراءات التي تمثل «إعادة الضبط» لم تغيّر قواعد التجارة فقط، بل أعادت ترتيب توقعات النمو والتضخم، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم آفاق الدولار.
بدأ التحول حين قضت المحكمة العليا الأمريكية بإبطال جزء واسع من الرسوم التي فُرضت سابقًا استنادًا إلى صلاحيات الطوارئ. قيّد الحكم قدرة السلطة التنفيذية على التحرك المنفرد، وأعاد الاعتبار لدور الكونجرس في رسم السياسة الجمركية. على الفور، خفّض القرار العبء المتوسط على الواردات، ومنح الأسواق متنفسًا قصيرًا، فهدأت مخاوف الأسعار وتراجعت مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد.
غير أن هذا الهدوء لم يطل. إذ تحرّك البيت الأبيض سريعًا، وفَعّل مسارًا قانونيًا بديلًا أعاد من خلاله فرض رسوم شاملة بصيغة مختلفة. وقدّمت الإدارة الخطوة باعتبارها «تنظيمًا» لا «تصعيدًا»، لكنها عمليًا أعادت قدرًا معتبرًا من العبء التجاري السابق. هكذا أكدت السلطة التنفيذية تمسّكها بأدوات الضغط في التفاوض التجاري، حتى مع تغيّر الأطر القانونية.
كشفت تفاصيل الرسوم الجديدة حدودًا سياسية واقتصادية واضحة. فلم تُطبَّق السياسة بصورة عالمية شاملة، بل ركّزت على سلع سبق أن خضعت لرسوم متبادلة. وفي الوقت نفسه، حافظت الحكومة على إعفاءات السلع المتوافقة مع قواعد التجارة في أمريكا الشمالية، ووسّعت الاستثناءات لبعض القطاعات الحساسة، وعلى رأسها الطيران المدني ومكوّناته. بهذه الصيغة، وازنت الإدارة بين خطاب متشدد وحسابات صناعية لا يمكن إغفالها.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الولايات المتحدة بلغت على الأرجح ذروة الرسوم الجمركية. قد تُجري الحكومة تعديلات محدودة هنا أو هناك، لكنها لا تبدو في طريقها للعودة إلى حقبة الانفتاح التجاري الواسع. بدلًا من ذلك، تسعى إلى تثبيت مستوى أساسي من الحماية، يخدم أولويات داخلية، ويمنحها أوراق تفاوض خارجية، ويحدّ من الضغوط على التوقعات المالية.
في أسواق العملات، تحمل هذه المعايرة أثرًا مباشرًا. فاستمرار القيود التجارية يدعم الدولار عبر كبح الواردات وتعزيز صفته كملاذ آمن عند تصاعد عدم اليقين. في المقابل، قد تضغط الرسوم على النمو وتُعقّد مسار التضخم، ما يفرض معادلة دقيقة على صانعي السياسة النقدية. عند هذا التقاطع، يتشكل مسار الدولار بين صلابة مؤقتة ومخاطر كامنة.
يبقى العامل القانوني عنصرًا مؤثرًا في المشهد. فرغم أن الحكم القضائي حدّ من السلطة التنفيذية، فإنه لم يُنهِ تقلبات السياسة. إذ أظهر التحرك السريع نحو مسارات بديلة قدرة الاستراتيجية التجارية على التكيّف، ما يُبقي الشركات والمستثمرين في حالة ترقّب. وطالما ظلت التجارة أداة سياسية مرنة، ستستمر التقلبات عبر العملات والسلع والأسهم، وسيبقى الدولار محكومًا بتوازن دقيق بين الحذر والدعم.
المحكمة الدستورية الأمريكية تلغي جزءً من تعريفة ترامب وتثير التفاؤل في الأسواق
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات