تتربع فنزويلا على على عرش احتياطيات الطاقة على مستوى العالم، بأضخم خزان استراتيجي للنفط على كوكب الأرض، باحتياطيات مثبتة تبلغ نحو 303 مليارات برميل، وهي ثروة جيولوجية هائلة تمثل نحو 20% من الاحتياطيات الإجمالية العالمية، متفوقة بذلك على عمالقة الطاقة مثل السعودية وإيران والعراق.
إلا أن هذا العملاق يعيش اليوم عصر “التحولات الجيوسياسية الدراماتيكية”؛ حيث تحول النفط من محرك مفترض للرفاهية إلى مركز زلزال سياسي واقتصادي أعاد رسم خارطة القوى في أمريكا اللاتينية مع مطلع عام 2026.
أورينوكو: لعنة اللزوجة وتحديات “النفط فائق الثقل”
تتركز المعضلة التقنية لفنزويلا في آبار حزام أورينوكو، إلا أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يقع تحت تصنيف “النفط الثقيل” (Heavy Oil) و”النفط فائق الثقل” (Extra-Heavy Oil).
ويصنف كأحد أصعب “الخامات الحامضة” (Sour Crude) عالميا، إذ يتجاوز كونه سائلًا إلى خليط كثيف يزدحم بجزيئات الكبريت بنسب مرتفعة تتراوح بين 2.4% و4.5%، وهو ما يفرض تحديا تقنيا وبيئياً يستوجب عمليات معالجة مكثفة لنزع مركبات الكبريت (Desulfurization) امتثالاً للمواصفات العالمية الصارمة.
ويرتبط الخام الفنزويلي بتركيزات معادن ثقيلة مثل الفاناديوم والنيكل، ما يمنح الخام الفنزويلي صبغة “عدوانية” تجاه معدات المصافي، متسبباً في تآكل الأنابيب وتلويث المحفزات الكيميائية، وهو السبب الجوهري الذي جعل هذا الإنتاج يرتهن تاريخياً للمصافي الأمريكية المتطورة في ساحل الخليج؛ فهي الوحيدة التي ضخت استثمارات مليارية في تقنيات “التكسير الهيدروجيني” القادرة على فك شفرة هذا الخام العنيد وتنقيته من شوائبه الكبريتية لتحويله إلى مشتقات نفطية نظيفة وعالية القيمة.
الجاذبية واللزوجة: يتسم النفط الفنزويلي بدرجة لزوجة تصل إلى 8-10، وفقًا لهيئة معلومات الطاقة الأمريكية ما يجعله أقل جاذبية في سوق النفط الخفيف ويجعل تكريره عملية مكلفة ومعقدة.
الارتهان للمذيبات: يحتاج هذا الخام إلى تخفيف مستمر بمذيبات مستوردة لضمان تدفقه. ومع نقص هذه المذيبات وتشديد الحظر الأمريكي في ديسمبر 2025، أصيبت قدرة البلاد على المناورة النفطية بالشلل، مما يفسر صعوبة الإحياء السريع لهذه الصناعة مقارنة بدول أخرى.
فنزويلا: العضو المؤسس لأوبك الذي غير قواعد اللعبة
دخلت فنزويلا منظمة أوبك كعضو مؤسس في سبتمبر 1960، إلى جانب إيران والعراق والكويت والسعودية. كان الوزير الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونسو أحد أبرز المهندسين لهذه المنظمة، التي ولدت في بغداد لمواجهة سيطرة الشركات الغربية على أسعار النفط. منذ ذلك الحين، لعبت فنزويلا دوراً محورياً في تاريخ أوبك، بما في ذلك استضافة قمة رؤساء الدول في كاراكاس عام 2000.
واليوم، تبقى فنزويلا كاملة العضوية في أوبك، رغم الاضطرابات السياسية الأخيرة. وفي ظل التغييرات الدراماتيكية في يناير 2026، يتوقع خبراء أن تحتفظ بمقعدها، خاصة مع اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز تحالفاتها مع الكارتل.
إنتاج فنزويلا داخل أوبك: من الذروة إلى القاع
كانت فنزويلا تنتج أكثر من 3.5 ملايين برميل يومياً في السبعينيات والتسعينيات، مساهمة بنحو 7-10% من الإنتاج العالمي. لكن في 2025، انخفض المتوسط إلى حوالي 1.1 مليون برميل يومياً، وفقاً لتقارير أوبك ورويترز. في نوفمبر 2025، بلغ الإنتاج نحو 1.14 مليون برميل، مع تصدير يقارب 950 ألف برميل، معظمها إلى الصين.
أما الإنتاج السنوي لعام 2025، فيقدر بحوالي 400-450 مليون برميل (بناءً على متوسط يومي 1.1 مليون × 365 يوماً)، انخفاضاً حاداً عن ذروة الإنتاج في مطلع الألفية.
وفي يناير 2026، يتراوح الإنتاج اليومي بين 800 ألف ومليون برميل فقط، مع تقليص إضافي بسبب امتلاء المخازن بعد الحظر الأمريكي على التصدير.
“الزلزال السياسي” وانكسار موجة الإنتاج
شهد مطلع عام 2026 أحداثاً صادمة تمثلت في إزاحة نيكولاس مادورو، ما وضع قطاع الطاقة أمام واقع مرير؛ فالثروة التي تفوق احتياطيات العالم لم تمنع انهيار الإنتاج إلى ما دون المليون برميل يومياً.
شلل التصدير: بحلول يناير الجاري، تقلص الإنتاج إلى 800-900 ألف برميل يومياً، مع توقف التصدير تماماً وامتلاء المخازن، مما أجبر شركة النفط الوطنية (PDVSA) على إغلاق عدد من الآبار قسرياً.
التراجع التاريخي: بعد أن كان الإنتاج يلامس 3.5 ملايين برميل في التسعينيات، أصبح يساهم بأقل من 1% من الإنتاج العالمي في 2025، مقارنة بـ 7-10% في عصره الذهبي.
البوصلة الجيوسياسية: بين الصين و”شيفرون” الأمريكية
على مدار سنوات، كانت الصين الشريك الاستراتيجي والوجهة الرئيسية، حيث استحوذت على 80% من الصادرات الفنزويلية (نحو 746 ألف برميل في نوفمبر الماضي). لكن الحظر الأخير في ديسمبر 2025 أوقف تلك الشحنات، مما فتح الباب أمام احتمالات إعادة توجيه النفط نحو الولايات المتحدة.
شيفرون في المقدمة: تعد شيفرون الشركة الأمريكية الوحيدة المتبقية في الميدان، وتساهم بنحو 25% من الإنتاج الحالي عبر تراخيص محدودة. ويرى الخبراء أنها المستفيد الفوري الأكبر من التطورات الراهنة.
شهية الشركات الكبرى: تترقب شركات مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس (التي تطالب بتعويضات قدرها 12 مليار دولار عن تأميمات سابقة) فرص العودة وإعادة تطوير البنية التحتية المتهالكة التي تحتاج وحدها لـ 10 مليارات دولار سنوياً للإحياء.
أوبك+ وهدوء الأسواق: لماذا لم تتأثر العقود الآجلة؟
رغم الضجيج الجيوسياسي، لم تشهد أسواق النفط قفزات حادة. ففي اجتماع 4 يناير 2026، أكدت منظمة أوبك+ وقف زيادة الإنتاج للربع الأول، مركزة على استقرار السوق أمام فائض متوقع يتراوح بين 2 إلى 3.8 مليون برميل.
الأسعار الحالية: ارتفع خام برنت إلى 61.83 دولار وخام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى 58.39 دولار، ولكن اعتبرت الأسواق أن تأثير فنزويلا محدود قصير الأمد نظراً لإنتاجها الضئيل حالياً.
الأثر طويل الأمد: تجدر الإشارة إلى أن أي زيادة فنزويلية مستقبلية (بواقع 500 ألف برميل) قد تضغط على الأسعار هبوطياً، لكن هذا السيناريو يحتاج لعامين من الاستقرار وعشرات المليارات من الاستثمارات ليتحقق.
إمكانات هائلة أمام واقع هيكلي صعب
تظل فنزويلا درساً في كيفية تحول الثروة الطبيعية إلى عبء في غياب ظروف الإدارة الفعالة. ولكن تعتقد واشنطن أن إزاحة مادورو فتحت نافذة لفرص أمريكية لإعادة توجيه بوصلة التصدير من الصين إلى واشنطن، مما قد يعزز الإمدادات العالمية ويقلل اعتماد كاراكاس الجيوسياسي على بكين.
ومع ذلك، تبقى التحديات الهيكلية قائمة بما في ذلك معدات متهالكة وأنابيب خارج الخدمة ومصافٍ منخفضة الكفاءة، وحاجة ماسة لإصلاحات تشريعية، أي أن الطريق نحو استعادة مجد الـ 2.5 مليون برميل قد يستغرق عقداً من الزمان، مما يجعل فنزويلا اليوم “عملاق احتياطيات” بانتظار معجزة استثمارية وتقنية لإعادة الروح إلى قطاع الطاقة.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات