تشهد السياسة النقدية في المملكة المتحدة مرحلة دقيقة تتسم بالحذر الشديد، في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية الناتجة عن صدمة أسعار الطاقة وتداعيات الحرب في إيران.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات آلان تايلور، العضو الخارجي في لجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا، لتؤكد أن البنك يرى في الوقت الراهن أن هناك “مانعًا قويًا للغاية” يحول دون اتخاذ أي خطوة لرفع الفائدة، مشيرًا إلى أن الظروف الحالية تتطلب التريث بدلًا من التشديد.
وتعكس هذه التصريحات، التي أدلى بها خلال مؤتمر في نيويورك، رؤية أكثر تحفظًا داخل البنك المركزي، كما تسلط الضوء على التحديات التي تواجه صناع القرار في بيئة اقتصادية معقدة.
وأوضح تايلور أن صدمة الطاقة الحالية تشبه إلى حدٍ كبيرٍ ما حدث في عام 2011، وليس أزمة 2022 التي شهدت ارتفاعات حادة في الأسعار عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
ويحمل هذا التشبيه دلالات مهمة، إذ يشير إلى أن صدمة 2026 تبدو أقل حدة، وربما أكثر قابلية للاحتواء، ما يعني أن رفع الفائدة قد لا يكون الخيار الأمثل في الوقت الراهن.
وأضاف أن الإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير هو الخيار الأكثر ملاءمة حتى تتضح الصورة بشكل أكبر، خصوصًا فيما يتعلق بتأثيرات الحرب على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد.
تأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الاقتصاد البريطاني تباطؤً في سوق العمل وتراجعًا في نمو الأجور، وهما عاملان يخففان من مخاطر انفلات التضخم.
ورغم أن توقعات التضخم لدى المستهلكين ارتفعت مؤخرًا، فإن تايلور يرى أن احتمالات فقدان السيطرة على التضخم ما تزال منخفضة، نظرًا لضعف الطلب المحلي وتراجع الضغوط في سوق العمل.
هذا المزيج من العوامل يمنح بنك إنجلترا مساحة أكبر للتريث قبل اتخاذ أي قرار برفع الفائدة.
لكن تايلور لم يستبعد السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، إذ حذر من أنه إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية وازدادت صدمة الطاقة سوءًا، فقد يجد البنك نفسه أمام معضلة صعبة بين التضخم المرتفع والنمو الضعيف.
وفي هذه الحالة، قد تضطر لجنة السياسة النقدية إلى اتخاذ قرارات أكثر صرامة، وربما رفع الفائدة رغم المخاطر التي قد يشكلها ذلك على النشاط الاقتصادي.
وأكد أن مسار الفائدة سيعتمد على كيفية تطور الصدمة وعلى ما إذا كانت مخاطر انفلات التضخم ستظهر من جديد.
وفي المقابل، إذا اتضح أن صدمة الطاقة مؤقتة أو محدودة، فقد يفتح ذلك الباب أمام خفض الفائدة في وقت لاحق من العام، بمجرد انحسار المخاطر.
هذا السيناريو يعكس رؤية تايلور التي تميل إلى التيسير النقدي، إذ كان من أبرز الداعين إلى خفض الفائدة قبل اندلاع الحرب، قبل أن تتغير الظروف وتفرض على البنك تبني موقف أكثر حذرًا.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الأسواق المالية تقلبات حادة، خصوصًا في سوق العملات. فقد أظهر جدول أداء العملات أن الإسترليني كان الأقوى مقابل الدولار الأسترالي، بينما تراجع مقابل الدولار الأمريكي واليورو.
ويعكس هذا الأداء حالة انعدام يقين يعيشها المستثمرون، إذ تتأثر العملة بشكل مباشر بتوقعات السياسة النقدية وبالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
كما تتزامن تصريحات تايلور مع مواقف متباينة داخل بنك إنجلترا. فبينما تبدي بعض الأعضاء مثل ميغان غرين وسارة بريدن ميولًا أكثر تشديدًا بسبب مخاوف التضخم،
ويظل تايلور الصوت الأكثر ميلًا إلى التيسير، معتبرًا أن تأثير صدمات الطاقة المؤقتة لا يستدعي رفع الفائدة. هذا التباين يعكس الانقسام داخل اللجنة حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل غياب رؤية واضحة حول مسار أسعار الطاقة.
وتشير تحركات الأسواق إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير توقعاتهم بشأن الفائدة البريطانية، مع ميل أكبر لاحتمال تثبيت الفائدة في الاجتماعات المقبلة، وربما خفضها لاحقًا إذا هدأت التوترات الجيوسياسية.
كما يرجح أن الإسترليني قد يتعرض لمزيد من الضغوط إذا اتجه البنك نحو موقف أكثر تيسيرًا، خصوصًا في حال تراجع توقعات النمو.
في النهاية، تعكس تصريحات آلان تايلور حالة الحذر التي تسيطر على بنك إنجلترا في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة. وبينما يظل التضخم مصدر قلق، فإن ضعف سوق العمل وتباطؤ الأجور يمنحان البنك مساحة للتريث.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات