بدأ الاحتياطي الفيدرالي اليوم اجتماعه الممتد ليومين وسط حالة من الترقب الشديد تنتاب الأسواق في وقت تتزايد فيه الضغوط على صناع السياسة النقدية لاتخاذ قرارات دقيقة توازن بين تباطؤ التضخم من جهة، واستمرار قوة الاقتصاد الأمريكي من جهة أخرى.
يأتي هذا الاجتماع في مرحلة حساسة للغاية، إذ يحاول الفيدرالي تقييم ما إذا كانت البيانات الاقتصادية الأخيرة كافية لبدء دورة خفض الفائدة، أم أن المخاطر التضخمية لا تزال تتطلب الإبقاء على السياسة النقدية المشددة لفترة أطول.
ورغم أن الأسواق تكاد تجزم بأن الفيدرالي قد يبقي على الفائدة دون تغيير في هذا الاجتماع، فإن الاهتمام الأكبر ينصب على الرسائل التي يبعث بها البنك المركزي بشأن المسار المستقبلي للفائدة إلى الأسواق.
فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن قرار اليوم، بل عن “خارطة طريق” من المتوقع أن يتبعها الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة، خاصة في ظل تباين التوقعات بين من يرى أن التضخم يتراجع بوتيرة مطمئنة، ومن يعتقد أن الضغوط التضخمية قد تعود للارتفاع إذا خفض الفيدرالي الفائدة مبكرًا.
المخطط النقطي (دوت بلوت)
تثمن الأسواق إبقاء الفيدرالي على معدل الفائدة دون تغيير إلى درجة تقترب من اليقين.
لذلك ينصب اهتمام المستثمرين على خطاب البنك المركزي في بيان الفائدة وتعليق البنك المركزي على الأوضاع الاقتصادية. كما يركزون على التصريحات التي من المنتظر أن يدلي بها رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في مؤتمر صحفي ينعقد عقب انتهاء الاجتماع الأربعاء المقبل.
كما يتابع المتداولون في أسواق المال ما يشير إليه المخطط النقطي (دوت بلوت) – تصويت أعضاء الجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة على المسار المستقبلي للفائدة ويُعد توقعات رسمية للفائدة تصدر عن البنك المركزي – للوقوف على رؤية صناع السياسات في الفيدرالي لمسار الفائدة المستقبلي في ضوء الأوضاع الاقتصادية.
ويُعد “المخطط النقطي” الذي يصدره الفيدرالي أحد أهم العناصر المنتظرة، إذ يعكس توقعات أعضاء لجنة السياسة النقدية لمسار الفائدة خلال العامين المقبلين.
وغالبًا ما يكون هذا المخطط نقطة تحول في الأسواق، لأنه يكشف عن مدى توافق أو اختلاف أعضاء اللجنة بشأن توقيت ووتيرة خفض الفائدة.
وفي ظل حالة انعدام اليقين الحالية، فإن أي تعديل في توقعات الفيدرالي – مهما كان محدودًا – قد يترك أثرًا كبيرًا على حركة الدولار والسندات والأسهم.
كما يترقب المستثمرون المؤتمر الصحفي لرئيس الفيدرالي جيروم باول، الذي يُنتظر أن يوضح فيه رؤية البنك للتطورات الاقتصادية الأخيرة، بما في ذلك تباطؤ التضخم الأساسي، واستمرار قوة سوق العمل، ومرونة الإنفاق الاستهلاكي.
إشارات حاسمة
من المتوقع أن يتجنب باول إرسال إشارات حاسمة، مفضلًا الإبقاء على نهج “الاعتماد على البيانات” الذي يتبعه الفيدرالي منذ أشهر.
مع ذلك، فإن نبرة حديثه — سواء كانت أكثر تشددًا أو أكثر ميلًا للتيسير—ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على أن الفيدرالي قد يبدأ خفض الفائدة في النصف الثاني من العام، لكن دون تسريع الوتيرة، نظرًا لرغبة البنك في تجنب أي تراجع مفاجئ في الزخم الاقتصادي.
في المقابل، يرجح أن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، خاصة في سوق العمل، قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق، خصوصًا إذا أظهرت البيانات المقبلة أي علامات على عودة الضغوط التضخمية.
وتتزامن هذه التوقعات مع تحركات ملحوظة في الأسواق المالية، إذ تتحرك العملات الرئيسية ضمن نطاقات ضيقة، بينما تتسم أسواق الأسهم بالحذر، في انتظار ما سيصدر عن الفيدرالي.
أما سوق السندات، فتشهد تقلبات محدودة لكنها تعكس حالة ترقب واضحة، إذ يحاول المستثمرون تقدير ما إذا كانت العائدات ستواصل الهبوط في حال أشار الفيدرالي إلى اقتراب خفض الفائدة، أم ستعود للارتفاع إذا جاءت رسائل البنك أكثر تشددًا.
ولا يمكن تجاهل تأثير العوامل الخارجية على قرارات الفيدرالي، خاصة التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، وهي عوامل قد تزيد من تعقيد مهمة البنك المركزي.
فارتفاع أسعار النفط، على سبيل المثال، قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، ما قد يدفع الفيدرالي إلى تأجيل أي خفض للفائدة حتى تتضح الصورة بشكل أكبر.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبقى الأسواق في حالة انتظار حذر، إذ يدرك المستثمرون أن اجتماع الفيدرالي الحالي قد يكون نقطة تحول في مسار السياسة النقدية الأمريكية.
وسواء أشار البنك إلى اقتراب خفض الفائدة أو أكد الحاجة إلى مزيد من الوقت، فإن تأثير ذلك سيمتد إلى مختلف الأسواق العالمية، من العملات إلى السندات إلى الأسهم والسلع.
وبينما يترقب الجميع بيان الفيدرالي والمؤتمر الصحفي، يبدو واضحًا أن الفيدرالي يقف أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على استقرار الأسعار دون تقويض النمو الاقتصادي.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات