نور تريندز / التقارير الاقتصادية / الاحتياطي الفيدرالي بين ضغوط سياسية وتطلعات المستثمرين
جيروم باول
الاحتياطي الفيدرالي بين ضغوط سياسة وتطلعات المستثمرين

الاحتياطي الفيدرالي بين ضغوط سياسية وتطلعات المستثمرين

ينتهي الأربعاء أول اجتماع للسياسة النقدية لبنك الاحتياطي الفيدرالي في عام 2026 وسط حالة من الترقب الشديد في أسواق المال، ليس فقط بسبب قرار الفائدة المتوقع، بل أيضًا بسبب التوترات السياسية المتصاعدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الفيدرالي جيروم باول.

لذلك يتمتع هذا الاجتماع بقدر أكبر من الأهمية مقارنة بالاجتماعات السابقة، إذ أنه أول اجتماع بعد أن خرج باول عن صمته وأعلن أنه يرى تحركات وزارة العدل نحو فتح تحقيق جنائي معه – على خلفية شهادته أمام الكونجرس الأمريكي حول تكلفة هائلة لتجديد مقار ومباني الفيدرالي – جاء في إطار ضغوط على البنك المركزي من أجل المزيد من خفض الفائدة.

كما يكتسب هذا الاجتماع أهميته من أنه الأول في عام 2026، مما يرجح أن خطاب البنك المركزي وتصريحات باول عقب إعلان قرار الفائدة قد ينطوي على إشارات إلى المسار المستقبلي للسياسة النقدية على مدار العام الجديد.

كما تُسلط الأضواء على قرار الفيدرالي في يناير الجاري أكثر من القرارات السابقة كونه يأتي عقب صدور دفعات من البيانات ذات الأهمية الكبيرة لقرارات السياسة النقدية، وهي بيانات النمو والتضخم في الولايات المتحدة.

مرحلة حساسة

ويأتي هذا الاجتماع في مرحلة حساسة تتقاطع فيها اعتبارات الاقتصاد الكلي مع ضغوط سياسية غير مسبوقة، مما يجعل متابعة تفاصيله ضرورة لكل من المستثمرين وصناع القرار.

الفائدة دون تغيير

تثمن الأسواق إبقاء الفيدرالي على معدل الفائدة دون تغيير في نهاية اجتماع يناير الجاري، لذا تتراجع أهمية القرار أمام بيان الفائدة الذي يحمله الفيدرالي بالخطاب الذي يراه مناسبًا للأوضاع الاقتصادية ومستقبل السياسة النقدية.

كما ينصب اهتمام المستثمرين – إلى جانب بيان الفائدة الفيدرالية – على تصريحات جيروم باول، رئيس الفيدرالي، في المؤتمر الصحفي الذي ينعقد عقب إعلان القرارات.

فالأسواق سوف تترقب ما ينطوي عليه خطاب الفيدرالي ورئيسه من إشارات إلى مستقبل السياسة النقدية الأمريكية التي تشير أغلب التوقعات الحالية إلى أنها قد تكون تيسيرية.

وتشير التوقعات إلى أن الفيدرالي قد يُبقي على معدل الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50%-3.75% بعد سلسلة من التخفيضات التي أجراها في أواخر عام 2025 لدعم سوق العمل الذي كان يعاني من التباطؤ.

ورغم أن سوق العمل بدأ يظهر علامات استقرار، مع تحسن طفيف في التوظيف واستمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي، فإن الأسواق لا تزال تتساءل عن توقيت أي خفض جديد للفائدة خلال 2026.

فبينما يرى البعض أن الفيدرالي قد يستأنف خفض الفائدة في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام، يتوقع آخرون أن يتريث البنك المركزي حتى النصف الثاني من العام، وربما يمتنع عن الخفض إذا استمرت البيانات الاقتصادية في التحسن.

نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي – شهري – المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي

رسائل حذرة

يعقد جيروم باول مؤتمرًا صحفيًا بعد الاجتماع، ومن المتوقع أن يواجه أسئلة صعبة من الصحفيين حول الضغوط السياسية التي يمارسها الرئيس ترامب على الفيدرالي.

ورغم ذلك، لا يُتوقع أن يقدم باول أي تصريحات جديدة أو مثيرة للجدل، سواء بشأن الهجمات السياسية أو بشأن مسار الفائدة. ومن المرجح أن يكرر رسالته المعتادة بأن السياسة النقدية “في مكان جيد” وأن الفيدرالي سيتحرك فقط بناءً على البيانات الاقتصادية.

وتؤثر قرارات الفيدرالي على مجموعة واسعة من أسعار الفائدة، بما في ذلك معدلات الفائدة على مديونية بطاقات الائتمان، الفائدة على القروض العقارية، معدل الفائدة على قروض السيارات، وعائدات شهادات الاستثمار.

وبالتالي، فإن أي تلميح من باول حول اتجاه الفائدة سيكون له تأثير مباشر على تكلفة الاقتراض للمستهلكين والشركات على حد سواء.

انقسام داخل الفيدرالي

شهد عام 2025 انقسامًا غير معتاد داخل لجنة السياسة النقدية، حيث اعترض بعض الأعضاء “الصقور” على خفض الفائدة، بينما طالب “الحمائم” بخفض أكبر وأسرع.

وتشير البيانات الاقتصادية التي صدرت في الفترة الأخيرة إلى ميل طفيف لصالح الصقور، إذ أظهر سوق العمل تحسنًا نسبيًا، كما ارتفعت مبيعات التجزئة بقوة قبل موسم العطلات، مما دفع بعض الاقتصاديين إلى رفع توقعاتهم للنمو الاقتصادي.

وقبل شهر واحد فقط، كانت الأسواق ترى أن خفض الفائدة في مارس مرجح بنسبة 50%. أما الآن، فقد تراجعت هذه الاحتمالات إلى 16% فقط، وفقًا لأداة FedWatch التابعة لمجموعة بورصة شيكاجو التجارية.

ويرجع هذا التراجع إلى البيانات الاقتصادية الإيجابية نسبيًا، إضافة إلى رغبة الفيدرالي في تجنب اتخاذ قرارات متسرعة قد تُفسر على أنها استجابة للضغوط السياسية.

بيانات الوظائف

من المقرر أن يصدر تقرير الوظائف لشهر يناير في السادس من فبراير، وسيكون له تأثير كبير على توقعات الفائدة.

فإذا جاء التقرير ضعيفًا، فقد يعيد الأسواق إلى توقع خفض قريب للفائدة. أما إذا جاء قويًا، فقد يعزز موقف الصقور ويؤجل أي خفض محتمل.

التضخم

الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي – الربع الثالث 2025 – ربع سنوي – المصدر: BEA Data

سجلت مراجعة قراءات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ارتفاعًا فاق توقعات الأسواق الخميس، مما أثار حالة من التفاؤل في أسواق المال العالمية بصفة عامة لترتفع المؤشرات في وول ستريت في حين تراجع الدولار الأمريكي.

وارتفعت القراءة السنوية لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث في الولايات المتحدة بـ4.4% مقابل، وهي القراءة النهائية للمؤشر التي تجاوزت التوقعات والأرقام المسجلة بالقراءات الأولية.

وكانت توقعات السوق تشير إلى ارتفاع بـ4.3% مع تسجيل القراءة الأولية نفس الرقم، مما يشير إلى تحسن محدود في النمو الأمريكي في تلك الفترة.

كما ارتفع مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الثالث من العام الماضي بواقع 3.7%، وهو ما يشير إلى عدم تغير القراءة مقارنة بالإصدار الأولي ويتوافق مع توقعات الأسواق.

وعلى صعيد التضخم، سجلت قراءة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، المؤشر الأكثر اعتمادية ومصداقية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، بواقع 0.2%، مما يشير إلى ارتفاع أقل من المسجل في القراءة السابقة التي سجلت 0.3%.

وارتفعت القراءة السنوية للمؤشر بواقع 2.7% في أكتوبر الماضي، مما يشير إلى ارتفاع أقل من القراءة السابقة المسجلة في نفس الشهر من العام السابق التي سجلت 2.8%.

وارتفعت القراءة الشهرية لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي باستثناء أسعار الغذاء والطاقة بواقع بنفس النسبة مقارنة بالقراءة السابقة بواقع 2.00% في حين سجلت القراءة السنوية للمؤشر 2.7% في أكتوبر الماضي، مما يلقي الضوء على هبوط مقارنة بالقراءة السابقة التي سجلت 2.8% في نفس الشهر من العام السابق.

بصفة عامة، قد تكون هذه البيانات من العوامل المشجعة للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة على خفض الفائدة في مارس المقبل، لكن اقترانها بمراجعة قراءات النمو الأمريكي إلى ارتفاع في الربع الثالث من هذا العام قد يضعف الأثر الإيجابي المتوقع لبيانات التضخم.

استقلالية الفيدرالي

تتصدر السياسة المشهد هذه المرة، إذ يواصل الرئيس ترامب انتقاد الفيدرالي لعدم خفض الفائدة بالسرعة التي يرغب بها.

وتصاعدت التوترات مؤخرًا بعد أن رفض باول مذكرات استدعاء من وزارة العدل تتعلق بتجديد مقر الفيدرالي، معتبرًا أنها محاولة للضغط عليه. كما حاول ترامب إقالة عضو مجلس المحافظين ليزا كوك، وهو ما أثار جدلًا قانونيًا وصل إلى المحكمة العليا، التي أبدت شكوكًا حول قانونية هذه الخطوة.

هل سيبقى باول في منصبه؟

تنتهي ولاية باول كرئيس للفيدرالي في مايو، لكنه يستطيع البقاء عضوًا في المجلس حتى عام 2028.

ويرى بعض المحللين أن موقفه الحازم في مواجهة الضغوط السياسية قد يدفعه إلى البقاء في المجلس حتى بعد انتهاء رئاسته، ما يقلل من قدرة ترامب على إعادة تشكيل الفيدرالي بسرعة.

وهناك عدة نقاط رئيسية ينبغي التركيز عليها بالنسبة للمستثمرين في أسواق المال؛ أبرزها لغة باول في المؤتمر الصحفي، وإلى أي اتجاه تميل عباراته: نحو المزيد من التيسير الكمي أو في الاتجاه المعاكس لذلك.

على ذلك، لا يمكن اعتبار اجتماع الفيدرالي هذا الأسبوع مجرد إعلان لقرار بشأن الفائدة، بل هو اختبار لاستقلالية البنك المركزي في مواجهة ضغوط سياسية غير مسبوقة.

وبينما تشير التوقعات إلى تثبيت الفائدة، فإن الأسواق ستراقب عن كثب كل كلمة تصدر عن جيروم بأول، بحثًا عن أي إشارة حول مسار السياسة النقدية خلال 2026.

ومع استمرار التوترات السياسية وتحسن البيانات الاقتصادية، يبدو أن الفيدرالي وكأنه يسير على خط رفيع بين دعم الاقتصاد والحفاظ على استقلاليته — وهو توازن دقيق سيحدد ملامح السياسة النقدية في الأشهر المقبلة.

تحقق أيضا

النفط يواصل التراجع مع عودة مخاوف المعروض وترقّب لاجتماع أوبك+

واصلت أسعار خام غرب تكساس الوسيط تراجعها خلال تعاملات الثلاثاء، لتنخفض إلى 60.64 دولار للبرميل، …