أدى تصاعد الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقادة الأوروبيين بشأن جرينلاند إلى دفع المستثمرين لبيع الأصول الأمريكية، إلا أن ردة فعل الأسواق قد لا تكون كافية حتى الآن لإجبار الإدارة الأمريكية على تغيير موقفها.
وشهد المستثمرون هذا الأسبوع عودة ما يُعرف بـ “صفقة بيع أمريكا”، حيث تخلوا عن الأسهم والسندات والدولار الأمريكي.
وتعرضت الأسهم يوم الثلاثاء الماضي لأسوأ جلسة لها منذ أكتوبر الماضي بينما سجل الدولار الأمريكي أسوأ أداء له منذ أغسطس الماضي.
انتعاش الأسهم الأمريكية
رغم ذلك، ارتدت الأسهم يوم الأربعاء بعدما قال ترامب إنه لن يستخدم “القوة المفرطة” للاستحواذ على جرينلاند رغم تمسكه برغبته في الحصول على الإقليم الدنماركي.
وارتفع مؤشر داو جونز بـ 430 نقطة (0.89%)، وصعد ستاندردز آند بورس500 بنسبة 1.00% بينما ارتفع ناسداك100 للصناعات التكنولوجية الثقيلة بحوالي 1.2%.
وقال ترامب: “كل ما نطلبه هو الحصول على جرينلاند، بما يشمل الملكية الكاملة، لأنك تحتاج إلى الملكية للدفاع عنها. لا يمكنك الدفاع عنها بعقد إيجار.”
ورغم أن موقف ترامب شهد تغيرًا محدودًا، إلا أن ردود فعل الأسواق السلبية بدأت تتراجع بعض الشيء.
لكن لا يُرجح أن المواجهة مع أوروبا قد لا تكون صادمة بما يكفي لدفع الرئيس الأمريكي إلى التراجع عن موقفه كليةً.
السندات هي المؤشر الحاسم
تعود صفقة “بيع أمريكا” إلى الربيع الماضي عندما أدت رسوم “يوم التحرير” التي أعلنها ترامب إلى اضطراب الأسواق العالمية، ودفع المستثمرين لبيع الأسهم والسندات والدولار بشكل متزامن.
وقفزت عائدات سندات الخزانة الأمريكية في أبريل لتحقق ارتفاعًا حادًا، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى تعليق معظم الرسوم المخطط لها لمدة 90 يومًا. وقال ترامب حينها إن مستثمري السندات أصبحوا “متوترين”. وأجبرت اضطرابات سوق السندات — التي تؤثر على تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي — الرئيس على التراجع عن أشد تهديداته الجمركية.
وقد يحتاج ترامب لتغيير موقفه تجاه جرينلاند على ان تشهد الأسواق عمليات بيع مكثفة في الأسهم والسندات والدولار.
وسوق السندات الحكومية الأمريكية، بصفة خاصة، قد يحتاج إلى ضغوط أكبر بكثير، كما حدث بعد “يوم التحرير” (اليوم الذي أعلن فيه ترامب عن تعريفة جمركية متبادلة على أغلب الشركاء التجاريين للولايات المتحدة)، حتى يتراجع الرئيس الأمريكي عن موقفه الحالي.
وتحدد عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 و30 سنة تحدد أسعار الفائدة في الاقتصاد الأمريكي. وعندما يبيع المستثمرون السندات، ترتفع العائدات نظرًا لوجود علاقة عكسية بين قيمة هذه الأوراق المالية والعائدات عليها، مما يزيد تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والمستهلكين.
وقد يجبر اضطراب كبير في سوق السندات — مشابه لما حدث في أبريل الماضي — الإدارة الأمريكية على التراجع عن تهديداتها المتعلقة بجرينلاند والرسوم الجمركية. فعمليات البيع المستمرة قد ترفع العائدات بشكل كبير وتصبح عبئًا على الحكومة.
ووصلت عائدات السندات الثلاثاء الماضي إلى أعلى مستوى لها منذ سبتمبر. لكن ما لم تشهد السوق ضغوطًا تدفع العائدات في الاتجاه الصاعد، فقد يواصل ترامب سياسته الخارجية والاقتصادية الهجومية.
ضغوط أخرى على السندات
زاد ارتفاع عائدات السندات اليابانية يوم الثلاثاء الماضي من الضغوط التي تقع على كاهل سندات الخزانة الأمريكية. ورغم ارتفاع العائدات، إلا أن مستوى الذعر لم يصل إلى ما حدث بعد “يوم التحرير”.
في الوقت نفسه، ما زالت سندات الخزانة جذابة لكثير من المستثمرين، إذ حققت أفضل عائداتها خلال خمس سنوات.
ورغم ما يشير إليه ذلك من مخاوف حيال تباطؤ اقتصادي، فإن النمو الأمريكي تجاوز التوقعات في 2025.
ماذا عن سوق الأسهم؟
تفاعل أسواق الأسهم كان أقل حدة مقارنة بأبريل الماضي لأن المستثمرين أصبحوا أكثر دراية بتأثير الرسوم، ولوجود شكوك حول جدية ترامب في محاولة الاستحواذ على جرينلاند. وأصبح مصطلح “ترامب يتراجع دائمًا” شائعًا في وول ستريت.
ويراهن المستثمرون على أن ترامب سيتراجع عند الضرورة لدعم الأسواق، ما يدفعهم للاحتفاظ بأسهمهم. لكن هذا يقلل من تأثير السوق وقد يمنح ترامب ضوءً أخضر لمواصلة أجندته.
أوراق ضغط أوروبية
تمتلك الدول الأوروبية أسهم وسندات أمريكية بقيمة 8 ترليون دولار تقريبًا، وقد يؤدي بيع هذه السندات الأمريكية إلى رفع تكلفة الاقتراض، لكنه يتطلب تنسيقًا على نطاق واسع وينطوي على مخاطر اضطراب الأسواق العالمية.
يمتلك الاتحاد الأوروبي ما يسمى “بازوكا التجارة“ التي قد تؤثر على الشركات الأمريكية، بما فيها شركات التكنولوجيا الكبرى. لكن، في نفس الوقت، يُرجح أن هناك انقسام أوروبي حول كيفية الرد على ترامب.
وهناك سيناريوهات خطيرة للرد، من بينها إجراءات تجارية مضادة أو استحواذ قسري على جرينلاند، لكنها ليست السيناريو الأساسي لدينا.
كما أن هذه التقلبات التي تشهدها الأسواق قد تكون قصيرة الأجل وأقل حدة من موجة البيع التي حدثت “يوم التحرير”.
ويرجح أن أوراق الضغط هذه قد تدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تأجيل وضع سياساته الهجومية حيز التنفيذ في الوقت الراهن لتهدئة الأسواق.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات