على مدى عقود، ظل وارن بافيت يحث المستثمرين على الفصل بين الأساسيات الاقتصادية للشركات وبين تقلبات السوق.
ففي رسالة إلى المساهمين لشركة بيركشاير هاثاواي عام 1993، أعاد المدير التنفيذي طرح فكرة محورية في كتاباته؛ مؤداها أنه “على المدى القصير يمكن لأسعار الأسهم أن تنحرف بشكل كبير عن مسار نمو الأعمال التي تمثلها.
هذا الفارق في الأداء قد يستمر فترة كافية ليغري المستثمرين بالخلط بين الزخم والاستدامة، رغم أنه نادرًا ما يكون يستمر بصفة مستدامة.
وضرب بافيت في تلك الرسالة أمثلة من خلال تجربته مع اثنين من أكبر استثمارات بيركشاير آنذاك، إذ كتب: “بمرور الوقت، يصل سعر السوق والقيمة الحقيقية إلى نفس الوجهة تقريبًا. لكن في المدى القصير غالبًا ما يتباعدان بشكل كبير، وهي ظاهرة ناقشتها سابقًا”.
وأضاف: “قبل عامين، شهدت شركتا كوكاكولا وجيليت، وهما من أكبر استثماراتنا، ارتفاعات في أسعار أسهمهما تجاوزت بشكل كبير نمو أرباحهما. وفي تقرير عام 1991 قلت إن أسهم هذه الشركات لا يمكن أن تتفوق باستمرار على أعمالها.”
ويبدو أن هذا التحذير لم يكن تنبؤًا بانخفاض وشيك، بل تأكيدًا على حقيقة هيكلية؛ مؤداها أنه على “المدى الطويل، العائد من امتلاك شركة يرتبط بما تحققه من أرباح وما تعيد استثماره، وليس بمدى حماس المستثمرين في لحظة معينة لضخ أموالهم في هذه الشركة”.
وهنا تكمن أهمية السياق التاريخي، إذ كتب بافيت هذه السطور بعد فترة شهدت فيها علامات تجارية استهلاكية بارزة ارتفاعات قوية في أسعار أسهمها، مما جذب الانتباه ورؤوس الأموال.
ولم يكن يقصد أن الشركات العظيمة محصنة ضد المبالغة في التقييم، أو أن ارتفاع الأسعار يعني بالضرورة خطأ ما.
بل كان يشير إلى أن سعر السهم يمكن أن يسبق مؤقتًا قوة أرباح الشركة، وعندها يعتمد مستقبل الاستثمار على ما إذا كانت الشركة ستلحق بالسعر عبر نمو وربحية مستدامة، أو أن التوقعات المضمّنة في السعر كانت مفرطة في التفاؤل.
هذا المبدأ لا يزال حاضرًا في الأسواق الحديثة، خصوصًا في فترات تثير فيها التقنيات الجديدة خيال المستثمرين. كثيرًا ما تُثار مخاوف “الفقاعة” عندما ترتفع قطاعات محدودة بشكل حاد، وتتحول النقاشات حول التقييم إلى الاعتماد على السرديات أكثر من الاعتماد على التدفقات النقدية الملموسة.
وغالبًا ما تتبع الطفرات الصغيرة المرتبطة بموضوعات مثل الحوسبة الجديدة أو التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي نمطًا مألوفًا؛ ابتكار حقيقي يجذب الانتباه، ترتفع الأسعار بسرعة، ثم يبدأ السوق في إسقاط توقعات بعيدة المدى بثقة متزايدة.
ويوفر إطار بافيت وسيلة لتحليل هذه اللحظات دون افتراض أن النتيجة ستكون نشوة أو انهيارًا. فإذا تحركت الأسعار بسرعة “مبالغ فيها” مقارنة بالأرباح أو تقدم الأعمال الفعلي، يصبح السؤال أقل عن حقيقة التكنولوجيا وأكثر عن مدى اعتماد السعر الحالي على تنفيذ شبه مثالي.
في مثل هذه الظروف، قد لا يكون حتى الخبر الجيد كافيًا لتبرير الإيرادات إذا كانت التوقعات بالفعل في أقصى درجاتها.
وعلى العكس، فإن فترات الشك قد تخلق فرصًا عندما تُتداول شركات قوية وكأن اقتصادياتها عادية أو في حالة تدهور.
هذا الاقتباس يشير أيضًا إلى انضباط عملي للمستثمرين في الأسواق التي يسيطر عليها الحماس: التمييز بين أداء الأعمال وأداء الأسهم.
فقد تكون الشركة لديها مزايا تنافسية حقيقية بينما تُثمن أسهمها لنتائج لا تترك مجالًا للخطأ. وعند حدوث ذلك، قد تعتمد الإيرادات المحتملة ليس فقط على نجاح الأعمال، بل أيضًا على استعداد السوق للحفاظ على مضاعفات تقييم مرتفعة، وهو أمر يرى بافيت أنه لا يمكن أن يستمر “باستدامة” ما لم تحقق الشركة نتائج مالية متناسبة بالفعل.
نور تريندز أخبار وتحليل فني وأدوات تعليمية وتوصيات